طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس… التوزع السكاني والمعاهد والمدارس الرسمية في طرابلس والميناء… دراسة ميدانية وتاريخية عن إنشاء المدارس في العهدين المملوكي والعثماني

تقدمة الدكتور محمد سلهب

بعد كتابه الأول «التنمية الصناعية وأثرها في الاقتصاد اللبناني» يتابع الدكتور محمود محمد علي كتابته ويُطل علينا بكتاب جديد هو عبارة عن بحث ميداني تحت عنوان «توزيع السكان والمعاهد والمدارس الرسمية في طرابلس والميناء للعام الدراسي 2014 – 2015» وقد تطرق الكتاب إلى عدد السكان والمعاهد والمدارس وتوزعها على أحيائها مستكشفاً حاجة المدينة إليها ذاكراً المشاكل التي تعاني منها هذه المدارس واضعاً بعض الحلول التي تعاني منها المدينة من مشاكل وصعوبات تواجه التعليم فيها وبشكل عام. مع ذكر لمحة تاريخية عن انتشار المدارس في العهدين المملوكي والعثماني وموقع طرابلس الثقافي والاجتماعي كمدينة للعلم والعلماء ومحط أنظار الأدباء والمفكرين والمشايخ ومقصداً لطلاب العلم من محيطها ومن الخارج.
لذلك يسرنا ان نستقبل هذه الدراسة في المكتبة العلمية ونرحب بكتاب الصديق الدكتور محمود محمد علي لأهميته العلمية والبحثية ونفتح له أبواب مكتبتنا العلمية بكل رحابة صدر وسرور. كما اننا نشجع الباحثين ونحضهم على مثل هذه الدراسات الحقلية للكشف عن العديد من الأزمات والآفات الإجتماعية التي تفتك بمجتمعنا. ومن أجل تطوير وتنمية هذه المدينة العريقة بتاريخها وماضيها.
رئيس المركز الجامعي للتكنولوجيا
الدكتور محمد سلهب

التعليم في لبنان

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1990، واجتمع اللبنانيون فيما بينهم، ووضعوا دستوراً جديداً لهذا البلد عبر اتفاق الطائف. وبعدها، وفي بداية عهد حكوماته، عمِلَ الرئيس الحريري على إنتاج مناهج جديدة لتواكب العصر، ولتكون طليعية في إنشاء جيل جديد بعيد عن التعصب، قريب من الدولة، مواكب للعولمة وسائر في كنفها. الا أن هذه الخطط منها ما نُفّذ ومنها ما لم ينفّذ، وذلك بسبب التدخلات السياسية خلال عهد الوصاية السورية.
وبما أن لكل طائفة مصالحها وتطلعاتها، فقد ظلت بعض الأمور عالقة، خاصة المناهج الخلافية المتمثلة في كتاب التاريخ وهوية لبنان، علماً أن هوية لبنان كانت قد حُسمت من خلال إتفاق الطائف. وظلت ممارسة الديمقراطية صوَرية في أكثر الأحيان، وتوافقية في أحيان أخرى «الديمقراطية التوافقية»، وهنا لا يسود منطق الأكثرية بل منطق التوافق. وفي ظل المكونات السياسية المتعدِّدة والكثيرة، فإن هناك الكثير من القضايا التي لم تُعالَج لأنها اعتُبرت غير منطقية، يعني بصريح العبارة: أن لا إعتبارات لقرارات الأكثرية كحال ديمقراطيات العالم المتحضر، وكنا وما زلنا عشائر متخفية بظل طوائف.
وحيث أن الدستور اللبناني يضمن حرية التعليم في المادة العاشرة، طالما أنه لا يمس الوحدة الوطنية والمُسلّمات الأساسية، ولا يتعرض لكرامة الأديان، ورغم الجهود التي بُذلت في تحديث البرامج والمناهج التعليمية والتربوية، فإنها لم تُلزِم جميع المدارس الخاصة منها، بل كانت مطبَّقة فقط على المدارس الرسمية التابعة للدولة. وبما أن لكل طائفة وللأسف مدارسها وجامعاتها وبرامجها الخاصة بها، فإن فاعلية هذه المناهج الجديدة لم تحقّق الدور المرجو منها كمناهج موحِّدة وجامعة لكل المواطنين، فقد ظلت المدارس الخاصة هي المسيطرة والمهيمنة على المناهج الرسمية للدولة، وهنا بيت القصيد.
فهل نستطيع بناء وطن أكثر من نصف أبنائه يتلقون تعاليمهم في مدارس خاصة دينية تابعة لطوائف، هي أيضاً لديها مشروعها المختلف المغاير عن مشروع بناء الدولة الحديثة وبناء المواطن الصالح؟ حتى أصبحنا في كثير من الأحيان نتعرّف على طائفة الشخص من خلال الجامعة التي ينتمي إليها. فللمسلمين مدارسهم وجامعاتهم، وكذلك للمسيحيين. وأكثر من ذلك وللأسف، لكل مذهب من المذاهب مدارسه وجامعاته.
وحتى اليوم لم نتفق على كتاب موحد لتاريخنا، وحتى اليوم هناك خلاف على هوية لبنان، وحتى اليوم لا نزال منقسمين. فهل صحيح أنَّنا نريد بلداً موحداً؟ الجواب: بالتأكيد لا نريد، لأن كل طائفة تريد بلداً على قياسها، وكل مذهب من مذاهبنا يبتغي ذلك. ولهذا فإن التوحّد يُعَدّ سابع المستحيلات، رغم كل الحروب التي حصلت. فكأنَّنا لا نريد أن نتعلم، وكأنَّنا مُساقون إلى حتفنا بأيدينا. والغريب في الأمر أنَنا نعيش في بلد واحد، وفي صراع بين المدارس الرسمية والمدارس الخاصة.
وبما أن القسم الأكبر من مدارسنا الخاصة تابع لطوائفنا، فالطوائف أكبر من الدولة بالمفهوم التوافقي المعمول به في لبنان. وهذا الصراع يؤثر سلباً على مسيرتنا التعليمية، خاصة أن بعض المدارس الخاصة لها من الإمكانيات المادية ما يجعلها مهيمنة على الجو التعليمي العام في البلد. وهناك نوع آخر من المدارس، يتمثل في المدارس التجارية التي تتصرف كتصرُّف الشركات التجارية من حيث الربح والخسارة، كمفهوم التضحية والفائدة. ومن هنا خرجت كلمة «ادفع تنجح».
ولا شك أن هناك بعض الجامعات القليلة العدد التي تعتبر أن التعليم رسالة، وهي في نفس الوقت لا يمكن أن نقول عنها إنها مدارس طائفية، لكنها للأسف قليلة جداً. وبسبب الأحداث، فإن بعض الجامعات والمدارس الطائفية زادت من طائفيتها، وذلك بزرع الشقاق والانقسام بين أبناء الوطن الواحد، وبعضها بنشر ثقافة التطرف، خدمةً لمشاريع قد تكون وراءها دولٌ وسياسات لا يعلمها إلا الله. وهناك أيضاً انقسام فكري بين المعسكرين: الشرقي والغربي، فبعض المدارس تتبع أسلوب المناهج الغربية بلغتها الأجنبية، وبعضها يرى في تعريبها الحلَّ الأمثل لتلقينها بلغتنا الأم، التي يسهل هضمها وفهمها.
قسم من هذا البحث يتحدث عن بداية إنشاء المدارس الحديثة، الأجنبية منها واللبنانية. لقد كان لبنان سبّاقاً في هذا الإنفتاح على الغرب والشرق، وفي كل الإتجاهات الفكرية والتعليمية. فقد نجد في لبنان المدارس الفرنسية والإنكليزية والألمانية والإسبانية والروسية وغيرها، لكن على دولة لبنان أن يكون لها رأي في هذه المناهج والمدارس، لجهة المحتويات التعليمية التي تُدرّسها هذه المدارس. إن موقع لبنان الجغرافي وتعدد طوائفه يغدوان مصدر غنى، لو تواقفنا على بعض الأمور التربوية التي لا تتعارض مع سياساتنا التربوية.
وسوف نتناول في هذا البحث أربعة فصول رئيسية:
إذ يحتوي الفصل الأول على مبحث عن طرابلس عبر التاريخ ومدارسها في العهد المملوكي والتركي، وكذلك في زمن الانتداب الفرنسي، ثم يتناول الفصل الثاني ديموغرافيا طرابلس خلال خمسمائة عام مضت، مع التركيز على عدد السكان في العام 2014 وتوزعهم على أحيائها. ثم يتناول الفصل الثالث واقع المدارس الرسمية وتعدادها ومستوياتها: الروضات الابتدائية ثم نبيّن من خلال الجداول حجم السكان في كل حي، وكذلك المستويات التعليمية في كل مدرسة وكل حي، كما تُبيّن الجداول توزع ساعات التعليم الرسمية بين أساتذة الملاك والمتعاقدين، وذلك في المدارس الرسمية عامة في مدينة طرابلس والميناء، وكذلك المرحلة الثانوية والمِهنية. وأخيراً سوف نتناول في الفصل الرابع توزُّع المدارس الرسمية على أحياء المدينة، وتناسبها في كل حي مع حجم الطلاب المفترضين، في جميع المراحل التعليمية (الإبتدائية والثانوية وكذلك المهنية).
(من مقدمة الكتاب)

من الكتاب

تَبيّن لنا من خلال هذه الدراسة، أن عدد الطرابلسيين الأصليين المقيمين في طرابلس وبشكل دائم هو بحدود (370871) نسمة، وأن مجمل سكان طرابلس، أصليين ووافدين، بلغ الخمسمائة ألف نسمة تقريباً، وأن أكثر الوافدين المقيمين بشكل دائم أو مؤقت هم من مناطق الضنية وعكار، وقسم قليل من مختلف المناطق المحيطة، وبعض الفلسطينيين والسوريين، وقلَّة من بيروت وجبل لبنان ومناطق بعلبك الهرمل والجنوب. وهذا التنوع يدل على تسامح أهل المدينة وحبهم لأبناء الوطن العربي عامة، ولأبناء لبنان خاصة.
شكلت طرابلس نموذجاً حياً للتنوع الفكري والديني والمذهبي وكذلك المناطقي. وطرابلس كانت وما زالت ملجأ الأغنياء والفقراء على حد سواء، هي العاصمة الثانية بعد بيروت. هناك العديد من العوامل تجْذب الناس للعيش في طرابلس حيث يوجد فيها أحياء غنية وأخرى متواضعة، وهناك تفاوت يتناسب مع كل المستويات الطبقية، كما يوجد العديد من المؤسسات وكل مستلزمات الحياة، إن طرابلس محاطة بمنطقة الضنية المشهورة بإنتاج الفاكهة على أنواعها، وكذلك سهل عكار الذي يوفر لطرابلس ولقسم كبير من اللبنانيين الكثير من مختلف أنواع الخضار، وكذلك منطقة الكورة المعروفة والمشهورة بزراعة الزيتون، وكل تلك المناطق المحيطة تصبُّ معظم إنتاجها في مدينة طرابلس وبأسعار مدروسة جداً، وقد ساعد المدينة موقعها الجغرافي على الساحل بمحاذاة البحر المتوسط، وسهولة الوصول إليها، ممّا يجعلها مقصداً تجارياً بارزاً، لا بديل عنه، فيدخلها يومياً آلاف الأشخاص للتبضع والتجارة والخدمات الصحية والتربوية وغيرها. كما تتوافر فيها كل سبل الحياة ومستلزماتها، فهي مدينة مكتفية ذاتياً بمعظم الميادين والقطاعات، وعلى رأسها القطاع التربوي والمؤسساتي والطبي، مثل الجامعات والمستشفيات والدوائر العقارية والمالية، وغيرها من المؤسسات الرسمية. فأضْحت مقصداً للنزوح الفصلي أو الدائم، حيث بلغ عدد المقيمين فيها من غير السكان الأصليين أكثر من مئة وخمسين الفاً. الأمر الذي جعلها مدينة مكتظّة بالسكان.
أما من الناحية التربوية، فقد توزعت المدارس والمعاهد والجامعات على معظم أحياء طرابلس، الأمر الذي جعل منها مركزاً علمياً مهماً. هذا وقد بلغ عدد مدارس طرابلس اليوم أكثر من /80/مدرسة إبتدائية ومن كل المستويات التعليمية، توزعت على /18/ مدرسة للروضة صرفة، وعلى /2/ للروضة مضافاً إليها المرحلة الأولى والثانية، وكذلك حوَت على /5/ مدارس حوَت الروضة إلى المرحلة الثالثة، كما ضمَّت مدرسة واحدة للمرحلة الأولى فقط، وعلى /17/ مدرسة حوَت على فئتين هي الأولى والثانية، وعلى /28/ مدرسة حوَت على المراحل الثلاث الأولى والثانية والثالثة، و/4/ مدارس من المرحلة الثانية والثالثة، وعلى /5/ مدارس المرحلة الثالثة.
هذا وقد حوَت طرابلس على /11/ مدرسةرر ثانوية، و/8/ مدارس فنية (مهنية)، موزّعة ما بين مدارس ومعاهد تعليم فني مهني. وكل هذه المدارس توزّعت على عشر مناطق في أحياء طرابلس والميناء.

طُبع كتاب «التوزع السكاني والمعاهد والمدارس الرسمية في طرابلس والميناء!» 

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»،

والتصميم والإخراج قامت بهما شركة «Impress»

Loading...