طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

عن الصحافة المحلية … في الزمن الافتراضي

غلاف المجلة

لا يمكن إنكار وجود أزمة كبيرة وجدية تعاني منها الصحافة الورقية في مختلف أنحاء العالم. وهذه الأزمة، كما بات معروفاً، هي نتيجة عوامل عديدة أهمها اجتياح وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لكل الحواجز والقيود والعوائق والحدود والأجواء، وصولاً إلى سائح ما يتسلق جبال إفريست، ويجوب في الوقت عينه العالم عبر جهاز بحجم كف اليد يرافقه أينما حلّ.

إذاً، هناك مشكلة حقيقية، تعاني منها الصحافة الورقية، سواء لجهة المبيع، أو لجهة الإعلانات. فبالنسبة إلى البيع لقد تراجع بشكل حادّ لأن الأخبار والتحليلات صارت تصل ساخنة جاهزة إلى المتلقي، حامل الجهاز الصغير، وبشكل متواصل، فلا يجد حاجة إلى الذهاب إلى المكتبة وشراء الجريدة أو المجلة. وبالنسبة للإعلانات، لقد وفّر الإنترنت ووسائل التواصل مساحة كبيرة جداً للإعلان بسعر أقل وبإنتشار أكبر.

لكن… مهلاً، مهلاً،

هذه الأزمة المتعلقة بالإعلام المقروء، وربما أيضاً بقسم كبير من الإعلام المرئي (الذي ينافسه الإنترنت أيضاً) لا يمكن أن تكون نهاية «المعركة»، وهي لا يمكن أن تشمل كل الصحف والمجلات في أي بلد من البلدان وأياً تكن طبيعتها (سياسية – اجتماعية – وطنية – محلية – يومية – أسبوعية – دورية)، ولا يمكن أن يكون محسوماً وأمراً منتهياً أن هاتفاً محمولاً «مزروعاً» في كف اليد هو بالتأكيد المرجع الوحيد والأول والأخير والموثوق (والموثِّق) عوضاً عن الصحيفة والمجلة والكتاب.

بل هناك سؤال يتعلق أساساً في قيمة ما يُنشر في معظم وسائل التواصل الاجتماعي إذا لم يكن أساساً مستنداً إلى مصادر يُعوّل عليها (حقيقية) غير افتراضية، أي إلى مؤسسات صحافية تهتم، بجدية ورصانة، بمتابعة الحدث ومفاعيله وما حوله وما يمكن أن يحدث بسببه، علماً أنَّ الخلفيات الفكرية والمعرفية والمهنية تتوفر عادةً في المؤسسات الصحافية والبحثية، التي يشقى العاملون فيها على مدار الساعة لصناعة منتج جيد وذي مصداقية، يمكن اعتماده كأحد مصادر المعرفة والمعلومة الحقيقيتين.

أما في ما يتعلق بالصحافة المحلية (صحف المدن والمناطق في مختلف أنحاء العالم)، فالأمور بالنسبة إليها أكثر تفاؤلاً، كون العلاقة «الأهلية»، التي تربطها بقرائها المحليين تعبِّر عن انتماء متبادل, أكثر من تعبيرها عن علاقة استعلامية صرفة. فالقارىء المحلي في نيويورك قد يستغني عن جريدة «نيويورك تايمز»، التي تعالج إجمالاً القضايا الكبرى في مختلف نواحي الحياة، لكنه قد لا يستغني بسهولة عن صحيفة «ذي فيلاج فويس» المحلية النيويوركية، التي تهتم بكل شؤون أهل المدينة، من السياسة إلى الفنون على أنواعها إلى النواحي الاجتماعية المختلفة، وتربطها بهم علاقة تفاعلية واعتياد وتعاطف متبادلان, كونها إلى حد كبير تشبه المرآة التي يرى فيها ابن المدينة ذاته وأهله وشوارعه وعيشه اليومي, سكناً وتجارة ووظيفة و… بطالة.

والأمر نفسه ينطبق على حال الصحافة المحلية في بلداننا العربية، ومنها لبنان، وطرابلس تحديداً, حيث هناك صحافة محلية فخورة بذاتها وبأهلها وبالمكان الذي تصدر منه، ومازالت تعبِّر عن هذا المكان وعن الناس الطيبين الصامدين الباحثين بكدّ وجهد وتعب عن لقمة العيش، وتعبِّر أيضاً عن السياسة المحلية بكل أشكالها، من النيابة إلى البلدية إلى كل الأمور العامة الأخرى.

لذلك هناك صحافة محلية في طرابلس. ولأن علاقة هذه الصحافة بأهل المدينة ومحافظة الشمال علاقة مبنية على المصير الواحد وعلى القضايا والمعارك والأفراح والأتراح المشتركة, وعلى القربى والجوار، بشكل أهلي حميم، لذلك, هذه الصحافة صامدة وتخطط للتطور والاستمرارية ولإعطاء أفضل ما يمكن للقارىء، دون أن تنسى طبعاً ان إحدى وسائل الانتشار الضرورية  هو الانترنت والتواصل الاجتماعي، لكن هذا ليس الوسيلة الوحيدة، بل لا قيمة له إذا لم يكن نابعاً من صحافة جدية، لا من هواة يمتهنون «القصف» الدائم باتجاه الهواتف المحمولة بكل الأخبار الكاذبة والأخطاء الإملائية واللغوية المهينة والإثارة الشعبوية الغرائزية المبتذلة والسخيفة, ودائماً بسطحية مذهلة.

الصحافة المحلية مستمرة, لأنها صحافة الناس العاديين وموعدهم الاسبوعي، وهي لم تكن يوماً صحافة سلطة أو مال أو سفارات أو استكبار أو فوقية… لذلك ينتمي أهلها إليها كما هي تنتمي إليهم… لذلك تستمر حرة ومتجددة.

Loading...