الوقف ثروة اقتصادية تشمل الخدمات العامة على اختلافها

{لَن تَنَالُوا الْبِرَّحَتَّى؟تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.
إنطلاقاً من هذه الآية الكريمة وتوجهات القرآن الكريم، سارع أغنياء أمتنا وتسابقوا إلى «حبس» (وقف) بعض ممتلكاتهم ليُصرف ريعها على الخدمات العامة الدينية والاجتماعية.
– انها نهج إسلامي بامتياز بل «قانون» لا مثيل له في كل قوانين العالم المتحضر.
– انها العقيدة الإسلامية التي تستمد قوتها من روح الله،
– وتقتبس هويتها من نور الحق،
– وتستظل بهدي القرآن الكريم،
– وتوجهات الرسول صلى الله عليه وسلم المستمدة من هذا الكتاب الذي:
{لَّايَأْتِيهِ الْبَاطِلُمِن بَيْنِيَدَيْهِ وَلَامِنْخَلْفِه}.
الوقف وأهدافه
فالوقف مؤسسة قائمة بذاتها لها أهداف تتعلق بشبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية تلك الأسس التي تقوم عليها المجتمعات في العالم.
صدقة جارية للواقف
والوقف ملاذ للفقير وملجأ للمحتاج وعون للغارم والمعوزين الذين تلاحقهم طرائد الشقاء والفاقة ومرارة الحرمان والبؤس.
وهو رعاية اجتماعية للطبقات الضعيفة، وعناية بالمشردين والأيتام، وانقاذ للإنسانية من غوائل الفقر ومرائر الجوع، وتوفير السعادة للشيوخ والعُجَّز.
وبهذا يكون «صدقة جارية للواقف».
حتى لا يكون للعلماء علماء السلطان
وعلاوة على كل هاتيك الخدمات فقد كفل الوقف للعلماء العاملين دعاة الإصلاح وحراس العقيدة فرص العيش الكريم وضمن لهم الاستقرار وهدوء البال وراحة الضمير حتى يؤدوا رسالتهم على الوجه المطلوب في عز وشهامة واعتزاز بالدعوة الإسلامية الصحيحة التي يحملون لواءها ويقاومون من يصدُّ عن سبيل الله ويبغونها عوجا.
– وهكذا يفيض الوقف على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، حصانة تكفل لهم استقلالية الفكر والرأي الحر بعيداً عن مواطن المسايرة للسلاطين والملوك والحكام على حساب تعاليم الإسلام من أجل ألا يكونوا «علماء السلطان».
أمثلة مُشَرِّفة
– والتاريخ يفيض بذكر تلك الممارسات بالخير الكثير والبر الوفير.
– فصلاح الدين الأيوبي رحمه الله سارع إلى تنفيذ ذلك فأقام المؤسسات العلمية الخيرية من مساجد ومدارس ومستشفيات ما فاضت به مصر وبلاد الشام. وكان للأيتام نصيباً كبيراً من الأوقاف حتى انك لا يقع بصرك على يتيم إلاّ وهو مكفول.
«وقف الصُحفة» (الصحن الصغير)
ومن أرق وألطف ما وُجد في الإسلام من وقفيات: «وقف الصحفة» حيث أنه وُضعت في أمكنة ما صحائف موقوفة على كل خادم كسر آنية لسيده، ومن أجل ان لا يتعرض لغضبه وصوناً لكرامته يذهب إلى هذا المكان المعد والمليء بالصحائف فيضع الإناء المكسور ويستبدله بإناء صحيح.
«تزويج الفقيرات»
ومن الأوقاف المهمة «وقف تزويج الفقيرات»، وقد اشاد ابن بطوطة بهذا الوقف بكتابه «تحفة الأنظار».
«القرض الحسن»
– ولا يغيب عنا «وقف القرض الحسن» وتفصيل ذلك:
– كل من يعجز عن شراء مسكن أو أثاث منزل يُعطى قرضاً (طبعاً بلا فائدة) ليستعين به على ما يحتاجه. وأشار القرآن الكريم إلى هذا ورغّب فيه بقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا}.
«طلاب العلوم الشرعية»
ومن الأوقاف الخيرية «وقف لطلاب العلم الشرعي» يُعطى للمتفوق جائزة مالية تشجيعاً له ولإقرانه.
وأوقاف لأهداف قيمة وراقية
ومن الأوقاف أيضاً:
– «وقف ختان أطفال الفقراء».
– «وقف الكفن» للموتى الفقراء.
– «وقف عابري السبيل»، أي المسافر المقطوع، يتكفل الوقف بارجاعه إلى بلده مع ما يحتاجه من مصاريف. كل ذلك استجابة لقول الله:
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ}.
وقف للمعاقين
– ومن الأوقاف التي تنبض بالمروءة والغيرة على أفراد المجتمع وحتى يتوفر العيش الأرغد لكل فرد من أبنائه، كان: «وقف العميان والمقعدين»، يخصص لكل منهم خادم يعتني به ويسهر على راحته ويهتم بأمره في كل ما يحتاجه!!!
من أجل الإنسان وكرامته
وخلاصة ذلك: ان مقاصد الوقف في الإسلام كثيرة ومتعددة، ويكفي أن يحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته التي غفلتها القوانين الوضعية وشرعة حقوق الإنسان. أمام كل ذلك فإننا ندعو إلى الحرص وتنفيذ ما نصت عليه الوثائق الوقفية وحفظها من الضياع حرصاً على النفع العام الذي هو من توصيات المحسنين الذين وقفوا هذه الأوقاف؟؟ خدمة لمجتمعهم وحمايته من التسول والحاجة والعوز المفجع والمسغبة المضنية.
ان أوقافنا ثروة اقتصادية كبرى، هي حرب على الرأسمالية الظالمة واحتكار الثروة بأيدي فئة طاغية باغية لا ترقب في محتاج إلاّ ولا ذمة.
«الجامعة الإنسانية»
القرآن الكريم حذر من هؤلاء فقال:
{كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}
في الظلال: هذه الآية تمثل جانباً كبيراً من أسس النظرية الاقتصادية في الإسلام، فالملكية الفردية معترف بها ولكنها محددة بهذه الآية ألا يكون المال دولة بين الأغنياء أي حكراً عليهم بل يجب ان يتداوله الفقراء وهذا هدف من أهداف التنظيم الاجتماعي البنِّاء، فالجامعة الإنسانية تشمل كل أفراد المجتمع بلا تمييز يستظلون بظلها على كل الصعد.