طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: عندما أعبر الكلمة بالكلمة

طُبع كتاب «عندما أعبر الكلمة بالكلمة» في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال» والتصميم قامت به شركة Impress

مقدمة

كثيراً ما أعبر في بيادر الكلمة وأجول فيها. لكنّ عبوري المفضّل وتجوالي الأطول يكون في بيدر الشّعر. ذلك لحسن حظّي، ولسعادة تغمرني عندما أمضي قسطاً على نورجه. فيدور بي على أجنحة القصيدة، يعلو حينا ويهبط حينا آخر، ليسير أفقيًا أحيانًا. فيعلق عليّ وفيّ، من بيدره، بعض من قمحٍ يدفعني لطحنه في دولاب الذّوق والفهم والتّحليل. فأصنع من طحينه عجينة أبسُطها على «كارة» الفكر والبحث، أرقّقها بكفّيّ وأصابعي، حتّى تستوي دائرتها، قبل أن ألصقها على «صاج» الكتابة، لتصبح رغيفّا جاهزاً للغذاء على مائدة الأدب والبحث العلميّ.

رغيف نرى فيه العالم المكوِّن للقصيدة، فنطوف في معارجه ونتوقف عند مفاصله، نرقب اتّساع ردهاته وتناسقه، ومن ثم ترداده ببعضه، ونعود إلى ما زيّن جدرانه من صور، وما تدلّى من انعكاسات، وصدح من موسيقى، يخبو صداها ويعلو في فضاء حركته وسكونه.

(…) والكتاب هذا مؤلّف من ثلاثة أجزاء. الجزء الأوّل وعنوانه: دراسة قصيدة، يضمّ دراسة أربع قصائد لأربعة شعراء. والجزء الثّاني وعنوانه: دراسة ديوان، ويضمّ دراسة تسعة دواوين شعريّة ومقدّمة لديوان، ودراسة رواية أيضاً. أمّا القسم الثّالث الّذي بعنوان: دراسة مجموعة دواوين شعريّة، فإنّه يضمّ دراسة الأعمال الكاملة لشاعريْن، كما يضمّ عرضاً شاملاً عن الحركة الشّعريّة في منطقة الضّنّيّة في القرن العشرين.

أنا لا أدّعي أنّي قلت كلّ شيء في كلّ نصّ أوديوان أو كتاب قرأتُه. هي دراسات صغيرة في أغلبها. منها ما نُشر في جريدة الأنوار، ومنها ما نُشر في مجلّة قطوف الصّادرة عن منتدى طرابلس الشّعريّ، ومنها ما نُشر في مجلّة فكر، وأكثرها قرأتُه في ندوات أدبيّة ولكن بشكل مختصر.

تقدّم هذه الدّراسات للطّالب الجامعيّ نموذجاً يُحتذى في تحليل قصيدة أو ديوان أو حتّى رواية، أو عرض كتاب من نوع آخر. كما أنّها تشكّل مساهمة في الأبحاث الّتي تشجّع الجامعة اللبنانيّة على تحريك عجلتها، علَّها تضيف حجرا في جدار بنائها.

حفرتْ بإبرتها صخر الحياة

كلّ نيُزك يشقّ ليل السّماء يذكّرني بالدّكتورة غادة السّمروط… هي تشقّ عوالم الوجدان وطبقاته بدءاً بتوهّجه إلى دُغشة حتّى حُلكة… لتُعيدَ رسم كنوزه بِحبر ضيائها الخاصّ… بل لعلّها نيزكٌ يَجري يُتقن كشْف صناديق الجواهر في غَياهب البحار… من هنا كتابها السّابق «الفناء والبقاء في أعمالي الشّعريّة والفنّيّة»، وقد خصّتني بمجهرها السّحريّ، وعرّفتني إلى زوايا من ذاتي ما كنت لأتوقّف عندها.  غادة السّمروط مثال المُتَحدّية، ما أوقفَتْها صعوبة… حفرتْ بإبرتها صخر الحياة لتصل إلى الينابيع… شجرة تمدّ أغصانها نحو الحاضر والآتي، بعد أن أخذتْ، بجذورها من الماضي، كلّ معرفة… مَشَتْ ولمّا تزل صُعُداً في الطّليعة…

الشّاعرة والفنّانة التّشكيليّة

باسمة بطولي

تقديم

غادة السّمروط مسيرة مكلَّلة بالنَّجاح، انطلاقًا من أسرتها الصّغيرة زوجًا وأبناءً، إلى أسرتها الكبيرة من الأدباء والشّعراء وأصحاب القلوب الّتي أضناها الظّمأ إلى المعرفة. هي ناقدة تتبوّأ الصَّدارة بين النقَّاد اللبنانييّن المعاصرين، المترفّعين عن كلّ مجاملة أو حذلقة. تتأبَّط الأدب الفرنسيّ وتمشي بخطى واثقة إلى ذرى شامخة من النّقد والحكمة. أوتيتْ قوّة اكتشاف النَّبض في صدور الكتَّاب، وامتلكتْ مفاتيح الدّخول إلى النّصوص. تقبض بتأنٍّ على الفكرة والرّؤيا المحرِّكة لكلّ نصّ، وإن لم تجد تحاول إيجادها. تومئ حينًا وتخِز حينًا آخر، ولكنّها لا تضرب بمعول. هاجسها البحث عن الحمض النّوويّ للشّاعر أو الجينة الوراثيّة لأفكاره. تقرأ القصيدة وتقوم بتأويلها من دون أن تهتمّ كثيراً باختلاف المنسوب الشّعريّ بين قصيدة وأخرى. إذ تترك غالبًا للقارئ هذه المهمّة.

د. محمود عثمان

دراسة قصيدة

التّجريد والتّفريد في وجع بألوان قوس قزح

في قصيدة «ميلوديا الوجع الأكبر» للشّاعر ياسين الأيّوبي

التّجريد هو «أن لا تملك شيئاً»، والتّفريد هو أن «لا يمتلكك شيء»، أي أن لا تكون لا فاعلاً ولا مفعولاً، أي مجرّداً موجوداً بذاتك. وغالباً ما يُفهم التّجريد بالحرمان والعوَز والتّعرِّي والانفصال عن «كلّ ما يبدو من الشّيء في مقابل، ما هو عليه في ذاته» وعن كلّ ما هو عرَضيّ وغير جوهريّ. و«التّفريد هو الانفراد الّذي يحصل عبر فقدان ومحو كلّ «شكل» بما فيه شكل الفرد الخاصّ». ويظهر التّجريد عند الحلاّج (ت309هـ/ 920م)، كما عند البسطامي(ت 261هـ/ 875م)، كطريقة من النّفي التّصوّري البصير، يترك الإنسان وحده إزاء الذّات الإلهيّة المنيعة. وفي التّجريد «يتقشَّر الإنسان من نفسه كما الحيَّة من جلدها». فبالتّجريد والتّفريد «يكون الشّيء ثابت الوجود بعيداً عن المادّة».

كيف يظهر التّجريد والتّفريد في قصيدة «ميلوديا الوجع الأكبر» للدّكتور ياسين الأيّوبي؟

لنقرأ أولاً عنوان القصيدة ومن ثمّ نعود إلى التّجريد والتّفريد فيها.

أوّل ما يستوقفنا في هذه القصيدة: عنوانها، والتّرقيم الّذي يرافق العناوين الدّاخليّة فيها، والّذي يبدأ بالعدد «واحد» وينتهي بالعدد «سبعة».

«ميلوديا الوجع الأكبر»: إنّه عنوان صداميّ يفرض سؤالين أساسيّين، قبل أن تتوالى الأسئلة عند قراءة القصيدة، لماذا ميلوديا الوجع؟ ولماذا الوجع الأكبر؟

لماذا ميلوديا الوجع؟

للإجابة على هذا السّؤال، علينا أولاً أن ننظر في معنى ميلوديا أوMélodie. فهي تعني (وفق قاموس Hachette):

«1- تتابع أصوات تشكِّل جملة موسيقيّة.

2- تأليف آليّ أو صوتيّ تنتظم جُمَلُه وفق قوانين الإيقاع والتنغّم لتعطي أصواتاً يحلو سماعها.

3- المعنى المجازيّ: ميزة كلّ ما يُطرب الأذن. ميلوديا بيت الشِّعر».

(جزء من نص أطول)

دراسة ديوان

البحث عن الأنا

في كتاب كريم يوسف: «عابر بين كلمتيْن»

«وأنا، وأكثر من يعرفني أنا… لكنّ السّؤال يحملني، يجرّني، يدفعني، ويسألني، وأوّل السّؤال: من أنا؟…» (بحثاً عن أنا)

إذا كانت كلّ معرفة تبدأ بالسّؤال، فإنّ المعرفة الّتي يسأل عنها كريم يوسف، والّتي تشغله، وتلحّ عليه في الجواب، تدور حول هويّة الأنا.

ولطالما كانت الأنا محور الكتابة ونسيجها في كتب الرّومنسيّين والشّعراء والغنائيّين، تبوح بأفراحها وأتراحها، بعلاقتها مع الحبيب والآخرين. إنّها الأنا الفرديّة، أنا الكاتب أو الشّاعر الّذي لم يكتم مشاعره وأسراره، فراحت أناه، تجوب النّاس فيستمعون إليها.

أمّا في كتاب كريم يوسف، فإنّ هذه الأنا تتجاوز شخص صاحبها لتصبح أنا كلّ إنسان، الأنا الكونيّة العميقة. فكاتبنا لم يتحدّث عن حبّ يعيشه، أو همٍّ يشكو منه، وإنّما عن الإنسان في علاقته مع الكون وموقعه فيه. فإذا به يعبر في محطّاته الأساسيّة، يسائلها، يبحث في سرّها، «وأوّل السّؤال: من أنا ؟»، كما يقول. سؤال هو الأكبر والأصعب، ربّما، بين أسئلة عديدة يطرحها المفكّر على نفسه. سؤال يشهد على تفاعله مع الكون والحياة والوجود. وفي كلّ مرّة يرى نفسه حَظِي بجواب ممكن يتحوّل الجواب إلى سؤال، فتكثر عند ذلك الأسئلة تصطدم في فلك البحث، بحثٍ هو عن معنى الوجود وسببه.

والبحث في أساسه عبور، عبور هو من الجهل إلى المعرفة. لذا فإنّنا نراه يتردّد في أرجاء الكتاب ومعابره، يرسم خطوطاً في الذّهاب والإياب، دائريّة هي في أغلب الأحيان، حيث دائماً العودة إلى السّؤال يجوب المكان والزّمان، النّور والظّلام، الصّمت والكلام، مرايا الوجود وانعكاساتها، جدار النّفس ومحيطها، يبحث فيها الكاتب يعبرها بأناه بحثاً عن أناها.

فهل نجح كاتبنا في عبوره هذا؟ وهل عرف من أناه؟

(جزء من نص أطول)

الحركة الشّعريّة في منطقة الضّنّيّة

في النّصف الثّاني من القرن العشرين

بين ماء وسماء، وادٍ وجبل، ماضٍ وحاضر، وبين قرية ووطن، قضيّة وثورة، امرأة ووجود، يترجّح الشّعر في منطقة الضّنّية. شهد الشّعر في هذه المنطقة، في النّصف الثّاني من القرن العشرين، حركة ملحوظة، حيث إنّ المرحلة التي سبقت، لم تعرف الشّعر بشكل جدّي، بل كانت هناك محاولات أولى اقتصرت على الزّجل.

سوف نحاول في هذه الدّراسة تسليط الضّوء على الحركة الشّعريّة في هذه المنطقة، في النّصف الثّاني من القرن العشرين، متوقّفين عند أبرز شعرائها وأهم الموضوعات التي تجلّت في قصائدهم. وقد آثرنا أن نقرأ بصدق كلّ ما حصلنا عليه من دواوين مطبوعة، وقصائد منشورة في الصّحافة والمجلاّت والكتب، خاصّة في كتاب (ديوان الشّعر الشّماليّ في القرن العشرين) وفي (معجم البابطين)، وفي سلسلة (كتاب السِّراج)، وفي أعداد مجلّة (قطوف) الخمسة الأولى الصّادرة تباعاً عن منتدى طرابلس الشّعريّ، إضافة إلى ما استطعنا جمعه من قصائد مخطوطة ومن تسجيلات محفوظة في مكتبة المنتدى الثّقافي في الضّنّيّة، لمهرجاناته السّنوية. ولسنا ندّعي، في هذه الدّراسة، أنّنا أحطنا بكلّ تفاصيل وجوانب هذه الحركة الشّعريّة، فهي تتّسع للباحثين الرّاغبين في الدّخول إلى تفاصيلها. ولسنا هنا أيضاً في صدد دراسة نقديّة لهذه الحركة الشّعريّة، إنّما دراستنا تتناول عرضاً وصفيّاً لأبرز الموضوعات الّتي تناولها شعراؤها.

بدأ الشّعر في الضّنّيّة زجلاً وقصيدة عاميّة مع محمد حمد، من بيت الفقس، ووديع نادر، وفايز خطّار، من سير، مركز القضاء، وظهر بعدهم وما زال، مخايل ابراهيم من حقل العزيمة، إضافة إلى بعض الشّعراء من قرى مزارع الضّنّية. وبعد أن عرفت المنطقة نهضة علميّة في السبعينيّات وما بعدها، بدأ أبناؤها يكتبون باللغة الفصحى، فظهرت القصيدة المقفّاة تسبح في بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، والقصيدة الحرّة، ثم قصيدة النّثر.

(جزء من نص أطول)

طُبع كتاب «عندما أعبر الكلمة بالكلمة»

في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

والتصميم قامت به شركة Impress

مطابع دار البلاد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.