طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

في موكب الوداع

في موكب وداعه، هدأت العواطف، وتأنقت الكلمات وإن كانت قد إتشحت بالسواد… فعزيزٌ يُحمل على الأكف والقلوب إلى مثواه الأخير…

الجمع المودع… تداخلت فيه تناقضات الزمن الطويل والبعيد فإذا بالجمع الذي منذ سنوات لم يلتق الواحد منهم الآخر إبتعد به الزمن، ويكتشف من الوجوه التي خذلتها الأيام كم يصنع الزمن بالإنسان… الأيدي التي لم تتلاق منذ البعيد، تمتد الواحدة للأخرى، والجمع يعزي نفسه بالعزيز الذي ذهب…

إن من يشاهد موكب وداع «عبدالمجيد الطيب الرافعي» ويعرف المودعين، أو أكثرهم، يعتبر ان هذا الحضور التاريخي المميز البالغ الأهمية والمتميز شهادة نادرة بإنسان مرّ في هذا الوجود، وفي كل خطوة كان يخطوها «يربح صديقاً وعزيزاً» تقوم صداقته أبد الدهر، ذلك لأنه نادراً ما عادى أحداً، وإذا اختلف مع الآخر، كان نظيف اللسان ووديع العواطف، يترك بينه وبين الآخر طرقاً واسعة ومستقيمة للقاء والتفاهم والتعاون…

في الطب، كان الطبيب، العميق التجربة واللماح في إدراك سبب المرض ووسائل العلاج، وكان المندفع في خدمة الآخرين، من يعرفهم ومن لا يعرفهم والذين حتماً يصبحون من معارفه وأصدقائه الودودين.

في السياسة وكم في السياسة من عواصف وتقلبات وصراعات فكانت أحياناً هادئة وغالباً ما كانت عنيفة وعميقة وعاصفة ولكنه في العواصف كان يعرف كيف يحافظ على نفسه واقفاً على الأرض الثابتة والتي تمنع عوادي العنف، من أن تقتلعه، ولهذا كان الصديق لعدد كبير من الآخرين وكان الآخرون يحملون في نفوسهم وقلوبهم المودة الصادقة المعلنة وغير المعلنة، القريبة والبعيدة… فالدكتور عبدالمجيد الطيب الرافعي، الصديق الذي كنت على إستعداد دائماً أن ألبي أي طلب يطلبه مني وكان هو الذي حفظ الصداقة والمحبة طوال ستين سنة من العمل والتعاون والود والمحبة…

صعب أن تنعى صديقاً، الكلمات في الوداع تتفتت، تصبح وكأنها في كل حرف منها قصيدة عصماء، ولكنها تبقى في الذهن والقلب ولا تتشكل في صور وأبيات وقوافٍ..

وذلك لأن عمق العاطفة في أحيان كثيرة، يغالب التجسد.

ذات مرة كتب جبران ما معناه، خير ان تهدي صديقاً وردة في الحياة من أن تنثر باقة ورود على مثواه الأخير… وأشعر أنني لسنوات طويلة، كنت أقدم الوردة تلو الوردة، في كل الأزمان والظروف ومع ذلك أجد أنني يجب أن أنثر باقات ورد في وداعه.

إنني أودع معه، بعض حياتي، بعض زمني، بعض وجودي…

وداعاً أيها الصديق العزيز… فإذا كان الموت حقاً، فأحياناً في الموت ولادة جديدة… حين التقيت من جاء يشارك في موكب جنازته، عرفت أن في موت الإنسان الكبير ولادة عظيمة عناصرها العواطف والشهادة الصادقة المعراة من كل مصلحة… تقول الحق وفي الحق حياة…

وداعاً يا طبيب الشعب، أيها المناضل في إطار خياراتك بعناد ويقين وكلماتك الأخيرة في الأيام الأخيرة كانت تخرج بصوتك المتعب وفيها كل زخم الإيمان والأمل…

وداعاً أيها الصديق العزيز.

(كُتِب المقال عقب الوفاة ولم يُنشر سابقاً)

Loading...