طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

بمناسبة إنتظام مشهديّة طال إنتظارها في جُمهوريتنا الحبيبة… «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»

إقتحم صاحبي هدوئي العلميّ في غربتي القسرّية…

– حاملاً قالب حلوى. مُزَخَرفٍ بألوانِ قوسِ قزحٍ فاقعة بهيّة. تسرُّ الناظرين…

– «صفراءُ»… «خضراءُ»… «زرقاءُ»… «بنفسجيّة»…

– إحتفاءاً بالنصر العظيم… و بإنتظام مشهديّة سياسيّة… طال إنتظارها في جمهوريتنا الحبيبية…

– أدركتُ.. من ألوان حلواهْ… خُبثَ إحتفاليّته..

– وهو المتفَّنن بالـ «الهْمزِ» و«اللْمزِ»… كل صباحٍ وعشيّة..

– وأجبته بلا حياء. مستحضراً ما في جعبتي من عبارات لائقة راقية.. قائلاً:

– لا شكّ أن في إنتظام مشهديّة طال إنتظارها.. صفحة مشرقة..

– طوت سواداً.. كاد يستفحِلُ بحياة دولتنا السياسيّة…

– إلا أنّ لي في «تأليه» النصر و«تعظيمه».. وجهة نظر متباينة.. إن إستطعت مَعِيَ صبراً..

– قاطعني «عديقي» (صديقي وعدوي).. مستنكراً:

– لم أعتْد على فلسفتك الوصفيّة «الذاكيّة».. «الزكيّة»..

– أنبئني بالدلالات الدفينة المبتغاة..

– وإن شاء الله ستجدني معك منصتاً بنفس أبيّة…

أجبته، بإسهاب:

يا عزيزي..

– في زمن «رديءٍ» كالذي نعيش..

رخُصَتْ فيه أقدار الناس..

– وفاحَتْ فيه مفسدة التعالي…

– وضاعت فيه موسوعة الأخلاق الربانيّة…

– في زمن «بئيسٍ» كالذي نعيش..

– إضطربت فيه وإختلَّت المقاييس والموازين…

– وملأت شبابه الحسرة في شتى مناحي الحياة على الأمجاد الزهيّة…

– في زمن «تعيسٍ» كالذي نعيش..

هانت فيه قيمة العلم..

وَضُعفَتْ فيه المعتقدات الربانيّة…

– في زمن «ظالمٍ» كالذي نعيش…

أضحت فيه «المنفعة العامة»… أسطورة من الأساطير الخياليّة..

– و«المصلحة العامة»… خرافة من الخرافات الدنكوشوتيّة…

– في زمن «عجيبٍ» كالذي نعيش…

إنهارت فيه قيم الصدق والإخلاص والنفس الأبيّة…

– وساد فيه الجهلُ والغدرُ والكذبُ والنفاقُ والمصلحة الشخصيّة…

– في هكذا جُلْجُلةَ أليمة.. بصفاتها المذمومة… بماذا نحتفل؟ ماذا نؤلّه؟

– أبِخَسارتنا لإنسَانِيتنِاَ؟ أبتشتُّتِ أفكارنا؟

– أبتنكُّرنا لماضينا؟ أبتحكّم الفساد بتصرفاتنا وسلوكياتنا؟

– أبإندفاعنا إرادياً نحو هاوية صنعناها بأيدينا؟

– أبتمجيدنا للمادة؟ أبدمار حياتنا؟

– أبسرورنا بالجاهلية التي إرتضيناها لأنفسنا؟

يا عزيزي..

– لقد جاهد أسلافنا ومشايخنا الأخيار الأجلاّء… في إيقاظ مدينتنا من سكون غربتها…

– وفي إسترداد وجاهَتِهاَ وألقها العلمي الذي به عُرِفَتْ.. وإليه إنتمت..

– إحتراماً لتاريخها الألمعي… ووفاءاً لوصايا كبار كبار… من سِلْسِلَتها الذهبيّة..

يا عزيزي..

– لقد أدرك أسلافنا وعلماؤنا الأبطال.. أن العودة إلى الماضي الأصيل الجميل..

– يحتاج إلى «إزالة».. و«بناء» من جديد..

– على أساس «صلبٍ».. «متينٍ».. «مكيّن»…

– دعامته «الإيمان»… و سَنَدُه «القوّة»… إقتداءاً بالآية الكريمة:

«أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ».

– لقد أصلح أسلافنا وعلماؤنا ما إستطاعوا إليه سبيلاً…

– وغايتهم مكسب «ربانيّ»… لا «دنيويّ».. وكأني بالشاعر يخاطبهم حين قال:

– أخوضُ غمار الكون بالعْلِمِ والتقَى                  ولا أسأل القومَ العظامِ ليَ الأجرا

قاطعني عديقي… والحيرة بادية على محياه:

– لقد ألهْتنَا القشور… حتى نالت منا أو تكاد المفاسد الدنيويّة..

– ألا تظنُّ أنّ لكلِ حالٍ مقتَضى وحالْ؟

– وأن من المحالِ دوامُ الحالْ؟

 أجبته.. بإسهاب:

يا عزيزي..

– أعد البصر كرّة إلى الشواهد التاريخيّة…

– فلقد برهن الشباب اللبناني.. بما هو واضح للعيان..

– أنه صادق الإلهامْ.. مرهف الحسّ..

– مدرِكٌ لذاتهِ. متعَطشٌ للعلمِ…

– توّاقُّ لممارسة دورهِ..

– لا يستسلُم لغير الحَقّ والحقيقة التي نادت بها كل الأديان السماويّة.

يا عزيزي…

– لا بدّ.. ولو بعد حين..

– أن تعود ذكرياتُ القيمِ والمثلِ العليا..

– لتَنتعشَ بها الحياة الإنسانية..

– لا بد أن تُبْعَثَ ترتيلات الحق والسلام…

– لتضجَّ بها المجالسُ والسماءُ الكونية..

– لا بد أن تتحرَّرَ العقولُ والقلوب ..

التي لطالما كبلتها أغلال الجهل والنسيان الشيطانية…

– لا بد أن تَدُكَّ مواكبَ الحَقّ…

بسلاح الكلمةِ والبرهانْ…

معاقل الفسادِ والطغيانِ المقيتة…

يا عزيزي…

– ألم نتعّلم الكثير الكثير… من أسلافنا الكرام!

– ألم نتعلَّم منهم… لذة العفو ونسيان الصغائْر!

– وأن طرح الِكَبرِ… من طبع الأكابْر!

– ألم نتعلم منهم.. أن نكون قَّوة تفعلْ.. لا مادة تَنْفَعلْ!

– ألم نتعلم منهم… أن نقتسِمَ معا شقَوةَ الحياة… وأن نستقبِلَ معاً قسوةَ الحياة!

– ألم نتعلم منْهم… أن نُبْعِدَ فوق المنالِ المقاصدَ… وألا تكون وجهتُنَا غَير الأمامْ!

يا عزيزي…

– لقد آن الأوان.. إذا قَرأْنَا.. أن نقرأْ ونَعِي جيداً… وإذا سَمِعْنا.. أن نَسْمَع ونَنْصِتَ جيداً. إذا أردنا توريثَ حياةٍ مفعمة بالحياة..

– لقد آن الأوان.. أن يؤتي صراخُ الكلمةِ ثمارُها… في نفوسِ وعقولِ السامعينْ وولاة الأمر… مهما إنسدَّتْ السبلْ وإسودتْ في الأعالي الآفاق…

– غادر «عديقي».. مُطَأْطَأَ الرأسِ… وقد ضَرَّجَ الخجلُ وجَنْتيهِ.. وقد تابْ وأنابْ…

.. رحم الله قامة من قامات بلادي… حين قالت:

– «إن الذي لا يساير التيّار.. و لا يَلِجُ المزايدة.. بل يختارُ لنفسه أن يصمدْ.. ويقول ما يعتقد حقاً ولو أغضبْ… الذي هذا هو شأنه.. لا يفَسحُ له في مجال الإقناع والاقتناع.. بل يصوَّرُ له أنه عرضة للاعتداءْ.. فضلاً عن حملات التهديمْ.. لِثَنْيِهِ عن قولِ رأيه… أو مجرد التفكيرِ فيه… وقليلونَ قليلونْ… هم الثابتونْ»..

… في ذلك فليتنافَسِ المتنافِسُونْ..

وللكلام صلة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.