طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: ضيعتي وأنا

طُبع كتاب «ضيعتي وأنا» في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

عزيزي القارىء

قبل ان تبدأ بقراءة كتابي المتواضع هذا، أود أن الفت انتباهك إلى بعض الأمور التي لا بد من ذكرها.

– أولها: ان رجلاً ليس في قلبه حنين إلى الماضي، ليس بحاجة إلى كتابي هذا.

يحتاج لكتابي إنسان عرف الحاضر ومشاكله، وتتوق نفسه إلى استراحة قصيرة مع ماضيه ومع بعض الذكريات التي مازالت تحتل كيانه.

– ثانيها: ألفت انتباه القارىء الكريم، انني استعملت في كتابي هذا، اللغة المحكية والتي كان أهل قريتي يلفظونها، جملاً ومفردات والتي بعضها من أصل تركي أو فارسي أو سرياني… وأعني باللغة المحكية، اللغة العامية.

– ثالثها: إن كنت تظن انك ستقرأ في كتابي هذا عن بطولات وخوارق وغراميات وأساطير، فأنا أخبرك: ان لا مكان لهذا كله في الكتاب.

– رابعها والأخير: ان الصور التي تراها في هذا الكتاب، بعضها من الماضي البعيد وبعضها من الماضي القريب لكنها اندرست كلها… وهذا ما يؤلمني.

كرم يوسف عبود

مقدمة

تصفّحت مخطوطة الكاتب الصديق كرم عبود بتمعن وتؤدة، فوجدتني مسافراً في الزمن والجغرافيا، والتاريخ، والمجتمع، والاقتصاد، والبيئة والثقافة، مشدوداً إلى ما ضمّه من مواضيع متنوعة جميلة، تحدث عنها ببراعة وبراءة ودقة، فإذا بي أرى «كرم» الطفل النقي، وكرم الفتى الناهض بالعبء المدرسي، والمعلم المنتج، والرجل المتعلق بمسقط رأسه «التليل»، جاعلاً إياها قدس أقداسه، بما فيها من أراضٍ عيّنها، سمّاها وحددها، مبيناً أنواع التربة والزراعات والمحاصيل، ومن ينابيع، وصفَ غزيرها وشحيحها دون ان ينسى المستنقع وبركة المياه الآسنة، والمنازل القديمة المبنية في مهب الرياح بالحجر الغشيم، والكنائس قديمها والجديد، والألعاب البسيطة المتنوعة، والسهرات والأعراس والأعياد وما يسودها من عادات وتقاليد وروابط اجتماعية بين الأهالي، وبينهم وبين سكان القرى المجاورة، ومن فقر وشظف عيش، وبساطة وسعادة، دون ان يغيب عن باله تصوير تعاقب الفصول وتأثيرها على حيوية الأهالي ومتطرقاً إلى الدجاج وكيفية حمايته من الثعالب، وإلى المواشي وكيفية حمايتها من الذئاب، إلى الجمّال والراعي والناطور ولوازم الفلاحين والمنازل…

أجاد الصديق الكاتب في السرد والوصف، فهو يأخذك تارةً في رحلة ممتعة إلى الصيد أو القنص معدداً الوسائل موضحاً الطريقة، فيجعلك تفكر بضرورة المحافظة على التوازن البيئي، لأن الوسائل المتبعة حالياً المتعبة ليست إلاّ طريقة إعدام للسمك والطير والحيوان والطبيعة.

وطوراً يأخذك في رحلة تأمل، فتشاهد يوم الغسيل، وكيفية صنع التين المهبّل والكشك والسّلق وقطاف العنب وتقطير العرق، أو تشاهد الأولاد يلعبون بالمرجوحة والتركعة وغيرها من الألعاب المسلية التي تدل على ذكاء فطري تنمي العقل والجسد… وما ان تمر هذه المناظر أمامك، حتى يجذبك صف التين المؤلف من ثلاثين شجرة، وكيف كان يتسلق الأولى ويتنقل كالعصفور بين أشهى الأثمار حتى يصل إلى الأخيرة حيث يهبط إلى الأرض، ويعدو آخذاً بك إلى قفران النحل وجني العسل البري، أو إلى جمع السنابل وفرطها تحت دواليب البوسطة، أو إلى الاستيلاء على حبات القمح الكثيرة من أوكار النمل ليقايض بها بعض حبات الحلوى من البائع المتجول «أبو صالح النبكي» الذي يحضر بين الفينة والأخرى محمّلاً دابته بشتى الأصناف واللوازم.

ثم تأخذك الكلمات في نزهة جميلة تبدأ خريفاً مع الشحارير مجتازة الشتاء برياحه الشرقية العاتية والثلوج وسهراته الجميلة حول الموقد، وما يتخللها من حكايا عنترة والزير سالم، وصولاً إلى الربيع حيث تتحول أرض القرية إلى لوحات فنية، إنتهاء بالصيف ومناجل الحصادين التي تلمع في الجلول على وقع الأغاني الشعبية، حتى إذا ما اشتد الحر لجأوا إلى خيَم السطوح وأكواخ الحقول وعرازيل أشجار.

كل هذا وأكثر، تحدث عنه الكاتب الصديق كرم عبود بأسلوب سهل ممتع، تسمع من خلاله زقزقات العصافير وخرير المياه، وصدى أصوات الفلاحين وهم يغنون للحياة، وتشعر ببساطة ونبل ورقي أخلاقهم، وترى سنابل القمح المترنحة وعناقيد الدوالي وأغصان التين وشجر الملول والبلوط… حتى أنك تجد نفسك في متحف وطني يجسد الماضي بكل شقائه وكل هنائه.

وهكذا تصبح «التليل» مسقط رأس الكاتب نموذجاً يمثل الحياة المنصرمة التي كانت سائدة في كل القرى بأدق تفاصيلها، بما فيها التوليد الذي كان يتم بمساعدة «داية» وقد كان في كل قرية داية…

وهذا التوصيف الذي ساقه الكاتب، يشكل دافعاً إلى الأمهات في أيامنا اللواتي سيطر الدلال عليهن إلى درجة ان كثيرات منهن يمتنعن عن إرضاع أطفالهن، ليعدن إلى تغذيتهم بحليبهن الذي يمنحهم المناعة المطلوبة.

أخي كرم…

دروس كثيرة يجب ان تؤخذ من كتابك على المستوى التربوي والأخلاقي والبيئي والثقافي.

ولعل الدرس الذي لا يقل أهمية عما سلَف، يتناول جمال العلاقة بين الأرض والإنسان، فبقدر ما يُحب الإنسان الأرض بقدر ما تعطيه من خيراتها.

أما اليوم، فالإنسان يبتعد عن الأرض، يدمرها، يلوثها، يفسد الهواء والتراب تنتابه موجة طمع لا حدود لها على عكس ما وصفت.

ولعل حديثك عن وفاء الكلبة «راندا» لصاحبها، هذه الكلبة التي فضلت الموت عند قدميه عن تركه، يشكل درساً جميلاً آخر.

كرم عبود، إنسان أراد حفظ التراث فوفِّق، وحفظ المودة كما ظهر من خلال تقديره لأستاذه نخلة عبود. فنجح.

كرم عبود، إنسان طيّب، وفي ومنتج… آلمه التفرج على تراث جميل ينقرض، فحفظه في هذا الكتاب الذي يُعتبر فريداً فيما تطرق إليه، ويشكل جرس إنذار يدعو إلى تصحيح الخلل في البيئة والمجتمع.

فؤاد كفروني

تمهيد

لست أدري ما الذي يدفع الإنسان إلى كتابة ذكريات الطفولة:

أهو الماضي الجميل فيها؟ أم هو القاسي منها؟

بالطبع نحن كلنا أبناء طفولتنا، وأبناء ما حملنا، بعد ذلك من تجارب ومفاهيم خلال مراحل حياتنا.

ثم أتساءل: هل لخضرة الحقول، حيث مسقط رأسي في قرية التليل أثر في ذلك؟

أم هل للرياح الشرقية العنيفة بعض الأثر؟

لست أدري:

هل للريف ومناظره، وحياة الفقراء وسودة العيش، شيء من ذلك؟ لست أدري:

كل ما أعرفه، ان طفولتي طفولة قروية، حيث الناس والغابات، والزرع والمواشي عائلة واحدة، تتبادل الحياة بكل ما فيها من سعادة ومرارة وفقر وألم…

وأمل.

وإني لم أزل أحمل تراب بيتنا الصغير في قلبي، والروح القروية تغمر حياتي، لما فيها من بساطة وسذاجة، وإيمان لا يُحد.

كل ما أتذكره، ان لي ذكريات خاصة وذكريات جماعية تنير دربي. فمن ينسى الماضي لا مستقبل له.

وأنني واحد من كثيرين كتبوا عن ماضيهم وذكرياتهم، وبكل ما فيها من شقاء أو سعادة…. من هناء ومن مرارة عيش.

في كتابي المتواضع هذا، أود لو أرى الريف حاضراً في كل سطر… فأنا ابن بيت قروي عتيق، أرضه من تراب، وسقفه من تراب.

فلاحون ومزارعون، فقراء وتعساء، يعيشون في مخيلتي.

مدرستي الأولى، كانت كنيسة القرية الفقيرة المتواضعة ولي معها حكايات…

انتقلت بعدها إلى مدرسة حديثة راقية في بلدة بيت مري (المتن) ولكنها مع كل حضارتها ومباهجها، لم تُنسني قريتي وبيتي ومدرستي الأولى.

إنه الحنين الصارخ إلى الجذور، إلى تراب عكار الحبيبة، إلى بيتنا الفقير، إلى سماء قريتي الوادعة وهوائها الطيب.

اكتب بعض الذي ما زلت أذكره، وكلي يقين بأني لست رائداً في هذا المجال. فهناك من سبقني… لكني متأكد بأنه لم يغُص مثلي إلى ذكر كل شيء تقريباً.

رسالة محبة، اكتبها إلى أحفادي وأهلي وأقاربي وكل من عرفني، وأدعوهم إلى عدم نسيان الماضي مهما كان قاسياً، فالماضي بريء براءة الأطفال.

كانون الأول 1948

الرعود تقصف مدوّية، والبرق يخطف الأبصار والرياح عاتية تهب بجنون، والأمطار تنهمر بغزارة جارفة ما في طريقها.

اليوم، هو السادس من شهر كانون الأول عام 1948…

إنه يوم ولدتني أمي في بيتنا القديم الترابي المتواضع، إلى جانب مدفأة في إحدى زواياه، فيها بضع حُطيبات تبعث الدفء في أرجاء ذلك البيت السعيد، أو تخفف من حدة البرد على الأقل.

كنت الصبي رقم 11 بين إخوتي وأخواتي هذا ما أخبرتني به أمي يوم أدركت شيئاً من المعرفة.

قالت لي: هنا، في هذه الزاوية، ولدتَ قرب المدفأة.. ولقد ساعدتني في الولادة الداية «أم عزيز» وهي جارتنا…

منذ ذلك الوقت وصورة بيتنا القديم لا تفارق مخيلتي.

ذلك البيت الذي أمضيت فيه ذكريات طفولة لا تُنسى، ففي كل زاوية من زواياه لي ألف قصّة، وفي كل سهرة ألف حكاية وحكاية.

بيتنــــــــــــــا

لست أدري لماذا بناه لنا والدي على تلك التلة المشرّعة، فوق وادٍ تهدر مياهه شتاءً، وتكاد تجف صيفاً، لولا بضعة ينابيع صغيرة تغذيه ببخل، فيبقى شبه جارٍ، مخزناً في بعض أنحائه مياهاً كانوا يستعملونها للغسيل أو لسقي الماشية التي كانت متوافرة في القرية.

هذا البيت، هو ملعب للطيرصيفاً وشتاءً، فبدل ان يكون مشرفاً على الطبيعة، كان داخلاً فيها.

هو مسرح للرياح والأعاصير، تهب من كل ناحية وصوب، حتى لتكاد تظن ان البيت سيُقتلع من أساسه…

كيف لا، وهو مبني كما ترى بالحجر «الغشيم» كما كانوا يسمونه. الأرض من تراب، والسقف من التراب والهواء يتسرب من خلال حجارته. والله يستر، إن الكلام، مهما رقّت ألفاظه، ولطفت كلماته، لا نستطيع ان نعبر به عن مدى السعادة التي كنا نشعر بها في العاصفة أيام الشتاء، حيث كنا ننام هانئين على الطراريح قرب النار.

ضيعتــــــــي

القروي اللبناني، إنسان حاد الذكاء والفطنة يختار مكان سكنه بعد تفكير عميق، وبروية بالغة. هل المكان صالح للسكن؟ هل الأرض صالحة للزراعة؟ هل المناخ ملائم للحياة. وهل هناك عواصف وصواعق؟ هل المياه متوفرة وقريبة من مكان السكن؟

أفكار كثير تراوده قبل أن يصمم!!

أما أنا فلا أعرف شيئاً عن الإنسان الأول الذي اختار هذا المكان لسكنه، ولا أعرف شيئاً عن المنزل الأول الذي ارتفعت جدرانه في هذه البقعة من الأرض، ولا أعرف المصادفات والحوافز الكثيرة التي حملت جدي على السكن في هذه القرية بالذات.

هي قرية على كتف هضبة مكشوفة، خلقها الله هكذا، معرضة للرياح، تهب وتثور، تعصف وتولول رياح فيها غضب وخشية وقلق، وزعازع تهزها هزاً عنيفاً، حتى لتظن انها ستقلع المنازل وترمي بها نحو الوادي.

بالرغم من ذلك أحبها جدي واختارها وسكنها، فأعطته الخيرات لأنها أحبته كما أحبها.

انها ضيعتي «التليل». حدودها من الشمال قريتا «هيتلا» و«سرار»، ومن الشرق «عمار البيكات»، ومن الجنوب «شربيلا» و«صيدنايا القديمة» و«الريحانية»، أما من الغرب فقرية «الغيلة» و«صيدنايا الجديدة».

طُبع كتاب «ضيعتي وأنا»  في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.