الفرق بين لبنان الجديد ولبنان العتيق
عند المقارنة بين رجال الماضي والحاضر في الدولة اللبنانية، نجد اختلافاً كبيراً في عقلية أبناء الأمس واليوم في التعاطي مع الثوابت الوطنية، والتعامل مع الأزمات السياسية.
فقد كان رجال الأمس يديرون الأمور بحكمة وحنكه قلّ مثيلها اليوم..
فارس الخوري
يقول وزير الخارجية السوري ورئيس الوزراء السابق فارس الخوري:
«علمت أن خلافاً كان قد نشب بين المغفور له البطريرك الماروني أنطون عريضة وبين المفوض السامي الفرنسي «الكونت دي مارتل» عام 1935، فرغبت «الكتلة الوطنية» (برئاسة شكري القوتلي) في استغلاله «لصالح الأماني القومية»، واستدعى شكري القوتلي وسعدالله الجابري المحامي نوفل الياس الذي كان يقوم بمهام الوكيل البطريركي العام في سوريا وينعم بعطف البطريرك المذكور عليه وعلى أسرته فضلاً عما يضطرم في أعماقه من المشاعر الوطنية والقومية، وكلفاه بالشخوص إلى الصرح البطريركي ليقترح على البطريرك العمل مع «الكتلة الوطنية» لهذا الاقتراح (العمل معاً لتحقيق الأماني القومية) إلاّ أنه (البطريرك) اشترط أن يوضع الاتفاق. بهذا الشأن خطياً وأن يتضمن الاتفاق.
اعتراف «الكتلة الوطنية» بحدود لبنان نهائياً فلا تعود المطالبة بالأقضية الأربعة المسلوبة من سوريا عند بدء الانتداب وهي (بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا).
إنتداب فخري البارودي ليفاوض البطريرك عريضة
وتداول رجال «الكتلة الوطنية» بينهم، ثم انتدبوا أحدهم فخري البارودي للذهاب إلى بكركي وفوضوه بأن يضع الاتفاق مع البطريرك بالصورة الملائمة،
وقبل أن يجتمع البارودي بالبطريرك التقى بنوفل الياس وعارف الغريب (والأخير صحفي لبناني على علاقة وثيقه بالبطريرك) في مقهى نهر الكلب في بيروت، ووضعوا صيغة الاتفاق.
ومزق مسودة الإتفاق إحتراماً لصدقية الكلمة والوعد
ومن ثم ذهب الثلاثة إلى بكركي واختلوا بغبطة السيد انطون عريضة إلاّ أنه أخذ مسودة الاتفاق بيده ومزقها إربا وقال:
«من لا يحترم كلامه لا يُحترم توقيعه».
وكان لعمل البطريرك هذا يومذاك أجمل الأثر في نفوس الوطنيين والثقة والطمأنينة.
قصيدة نوفل الياس للبطريرك
وفي قصيدة القاها نوفل الياس مخاطباً البطريرك:
جعلوا المسيح مع النبي محمد
هدفاً لكل تنابذ وخصام
الدين ليس الدين دين تفرق
الدين دين محبـة ووئام».
هذا كان بالأمس أما اليوم؟
نعود إلى أيامنا هذه وجديدنا إن النواب والرؤساء الذين وقعوا «وثيقة مؤتمر الطائف» لانهاء الحرب الأهلية ووضع نظام حديث للدولة اللبنانية انقلب بعضهم على الاتفاق «لحسوا ظهر المجن» ليعود البلد إلى دائرة الصراع لأمور شخصية دون النظر لكلمة الشرف بل لوثيقة خطية موقعة بدماء أكثر من مئتي ألف شهيد.
والتي وُضعت لزوال الغمة.
مثال آخر مع البطريرك معوشي
مثال آخر، الشخصية السياسية والإعلامية السورية، ذات النزعة الإسلامية بشير العوف – صاحب جريدة المنار – كان قد لجأ في ربيع 1966 لأكثر من شهر في الصرح البطريركي وأخذ يصلي في رحابه يوم كان البطريرك المعوشي سيداً لذاك الصرح، وقد نقل عنه حين سئل كيف تحمي بكركي شخصية معروفة بتوجهها الإسلامي قوله:
«هذه هي قيمة لبنان الذي إذا تخلى عنها لا يبقى مبرر لوجوده»…
فهل يعي رجال الدولة الحديثة هذا؟
تميُّز لبنان
هذه الحوادث وغيرها جعلت للبنان مكانته وإشعاعه في المنطقة والعالم حيث ارتقت به إلى مصاف الدول الراقية التي تعتبر تسليم السياسيين انتهاكاً أخلاقياً وإنسانياً خطيراً، فهل يدرك رجال السياسة الآن هذا.
ليتميز لبنان في المنطقة عن آقرانه من الدول؟
منذ الوصاية لا حرية
حرية التعبير أصبحت مفقودة منذ عهد الوصاية، وكُممت الأفواه وأُبعدت الأقلام أحياناً كثيرة عن الصحف لخوفها من الملاحقة القضائية.
شبكات التواصل الاجتماعي لوحقت لبثها السلبيات التي يقوم بها بعض السياسيين.
مسؤولون «يسوحون سياسياً» والكلفة المالية هائلة والبلد بأزمة إقتصادية
فالبلد يمر بأزمة سياسية واقتصادية حادة،
يستغلها مسؤولون في الدولة «للسياحة السياسية» وزيارة الدول الأوروبية والأميركية مصحوبين بشخصيات مرافقة تكلف الدولة مبالغ هائلة رغم الأزمة والدين العام الذي تنوء به خزينة الدولة، ولا يستطيع أحد ان يعبر عن ذلك وإلا كان مصيره السجن والملاحقة، وآخرها الحكم على متواصل على «الفيسبوك» بالسجن 14 يوماً…
هذا هو حال الدولة الجديدة التي يراهن سياسيوها على القوة والشفافية.