حين نفقد الثقة ببلدنا وفي قدرة حكوماتنا على ايجاد الحلول… ماذا بعد؟
«وينيه الدولة؟» عبارة تتردد على شفاه اللبنانيين، غالباً بطريقة فكاهية. فباتت عادة عند اللبنانيين أن يبتكروا النكات لوصف الحال المؤسف التي وصل اليها لبنان. لكن كما الحال مع جميع النكات، هناك دائماً وراء المزاح حد أدنى من الجد. فالنكات تنبت من الشعور العام لدى اللبنانيين بفقدان الثقة بقدرة الطبقة الحاكمة، مهما كانت توجهاتها وكيفما أتت تشكيلة الحكومة، بحل المشاكل المتراكمة والمتكاثرة في البلد.
اليأس قد اجتاح المجتمع اللبناني بجميع أطيافه، الأرقام التي تظهرها الأبحاث تؤكّد فقدان الثقة والتشاؤم شبه التام في بلدنا.
فقد أظهرت نتائج استطلاع ميداني قام به مركز البحوث الأميركي «بيو ريسيرش سنتر[U1]» في عام 2017 بأن نسبة اللبنانيين غير الراضين عن النظام الحالي في بلدهم تصل الى 91٪ وهي أعلى نسبة، بعد المكسيك، من بين الـ 36 بلداً التي تم الاستطلاع فيها. كما أظهرت النتائج أن نسبة اللبنانيين الذين يثقون كامل الثقة بأن الحكومة تعمل بما فيه مصلحة البلد لا تتعدى الـ2٪ وهي نسبة ضئيلة جداً.
لبنان ليس وحده الذي تبرز فيه تلك الظاهرة، لكنها هنا أكثر حدة. فظاهرة فقدان الثقة بالطبقة الحاكمة وبالأحزاب التقليدية موجودة وتفاقمت حول العالم، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية في العام 2008. وقد بيّنت الدراسات بشكل واضح أن الأوضاع الاقتصادية لديها التأثير الأول والأكبرعلى تلك المؤشرات. ففي أوروبا وأميركا حيث ضربت الأزمة الاقتصادية في الـ2008 بقوة رأينا أيضاً هبوطاً بمستويات الثقة بالأحزاب التقليدية.
ماذا يحدث حين تفقد الشعوب الثقة؟
فماذا بعد؟ ماذا يحدث حين تفقد الشعوب الثقة؟ حسب الباحث الأميركي ألبيرت هيرشمان، يكون حينئذ الشعب أمام خيارين: إما الخروج وإما االتعبير. فالخروج يكون بترك البلد حيث يرى المواطن أن الهجرة أهون من التغيير. وإما التعبير عن الاستياء، فيمكن هذا التعبير أن يأخذ عدة أشكال.
ففي أوروبا مثلاً، رأينا صعوداً ملحوظاً للأحزاب غير التقليدية والأكثر راديكالية التي أحرزت في انتخابات العديد من البلاد نتائج لم تكن تحلم بها من قبل، وذلك بالرغم من أن استطلاعات الرأي لا تظهر تغييراً في ايديولوجيات الشعوب الأوروبية. فالنتائج هي اذا تدل على ظاهرة المحاسبة من خلال التصويت وهي أيضاً تبين البحث عن حلول جديدة وبديلة. في أميركا أيضاً رأينا نتائج الانتخابات الرئاسية أتت بمثابة الصاعقة للحزبين التقليديين. فبالرغم من كون ترامب مرشح حزب الجمهوريين، غير أنه ليس مرشحاً تقليدياً وقد ربح الترشيح من خلال تصويت الناخبين الجمهوريين (بطريقة غير مباشرة) على حساب المرشحين التقليديين. أما في الوطن العربي، فأخذ الاستياء الشعبي شكلاً مختلفا إذ أتى الربيع العربي وفاجأ جميع المحللين السياسيين الذين لم يلحظوا مؤشرات قدومه. في غياب أساليب التعبير عن الاستياء المتوفرة لدى شعوب البلاد الديمقراطية، ما كان أمام الشعوب العربية الا الثورة.
ماذا عن لبنان؟
لم يشهد لبنان أي تغيير أو أي مفاجأة في نتائج الانتخابات الأخيرة فبقيت الأحزاب المعتادة في الحكم. كما أننا لم نشهد تظاهرات ولا غضباً شعبياً اجتاح الشوارع. على الرغم من أن لبنان هو ربما أكثر البلاد العربية اعتياداً على التظاهر والتعبير عن الغضب، الا أنه لم يلحق الموجة رغم استياء شعبه المتفاقم والمتراكم.
ما أسباب هذه السلبية في وجه أزمة اقتصادية صعبة جعلتها الطبقة الحاكمة أكثر سوءاً بقراراتها غير المدروسة ومع زيادة الفساد المستشري وأمام سياسيين غير مبالين وغير مسؤولين؟
لبنان وضعه خاص. فهو يتمتع بما يكفي من الديمقراطية كي يخول لشعبه التنفيس عن غضبه ولكن ليست في نفس الوقت ديمقراطية حقيقية كي تتيح الانتخابات الفرصة للمحاسبة والتغيير. النظام في لبنان قوي جداً ومتين ومتجذر تماماً لأنه بطبيعته يترك للمواطن متنفساً كافياً كي يعبر عن غضبه واستيائه فلا يكبت نفسه لينفجر في آخر المطاف. ولا مانع بالمجاهرة بالمعارضة لأن فرص تحول ذلك الى حراك شعبي فعال هي ضئيلة جداً. ففي الشارع، يصعب ايجاد هوية لبنانية موحدة أو مصلحة موحدة أو تصور واحد للبنان تلتف حوله جميع الطوائف. كما أنه إن حاول أحدهم الاعتراض أو التظاهر لقضية ما، تقوم طائفة الحزب المسؤول عن هذا الملف بالدفاع عنه لأنها تشعر أنها مستهدفة كما رأينا خلال تظاهرات «طلعت ريحتكم» في سنة 2015، على الرغم من أن المطالب قد تكون محقة وتمس جميع اللبنانيين. فبالتالي، إن لم يكن الغضب غضب كل الفئات اللبنانية فإنه يبقى مجرد جزء من اللعبة السياسية.
في الوقت ذاته النظام الطائفي يحول دون المحاسبة في الانتخابات. فاللعبة السياسية في لبنان هي «زيرو سوم غايم[U2]»، ولا تربح احدى الطوائف شيئاً دون أن تخسر الأخرى والشعب يخاف من أن يُضعف زعيم طائفته بالاعتراض والامتناع عن التصويت له فيكون بذلك قد قوّى زعيم الطائفة الأخرى. الطوائف لا تثق ببعضها البعض والناس تخاف من فقدان أو انحدار نفوذ طائفتها ولو جزئياً فبينت الانتخابات دائماً عن عدم وجود محاسبة.
الهجرة ملاذاً .. .ولكن
التغيير في لبنان صعب ومعقد. لذلك كان الخيار الاعتيادي التقليدي هو الهجرة. اللبنانيون اعتادوا أن يختاروا الخروج. لطالما كانت الهجرة ظاهرة مألوفة وشبه طبيعية في هذا البلد، ولطالما هاجر اللبنانيون بأعداد كبيرة خصوصاً في وجه نظام حكم أصمّ عن سماع أصواتهم وعاجز عن ايجاد حلول اقتصادية.
لكننا اليوم أمام ظروف استثنائية. فبوابة الهجرة تكاد تكون مغلقة. الخليج لم يعد يوظف من غير أبنائه إلا ما ندر، لا بل يفصل موظفين من وظائفهم فنشهد عودة أعداد كبيرة من المهاجرين من الخليج. أما أوروبا فوضعها الاقتصادي ليس بمزدهرٍ أيضاً والهجرة اليها صعبة. الفرص للخروج من لبنان باتت ضئيلة أو على الأقل أقل توفراً. اضافة الى ذلك، ان المتنفس المعتاد للبنانيين أي حريتهم بالتعبير عن غضبهم واعتراضهم أصبحت مهددة اذ رأينا لبنانيين يحالون الى القضاء ويسجنون لنشرهم انتقادات لبعض السياسيين على «التواصل الاجتماعي» وبعض الاعلاميين يتعرضون لمضايقات جراء ما يقولونه على الشاشات ولملاحقات قضائية.
في ظل هذا التضييق على اللبنانيين وفي غياب الأساليب المعتادة للتعبير أو الهجرة كيف ستكون ردة فعل اللبنانيين؟ هل سيستمرون بسلبيتهم وعدم المواجهة؟ هل سنرى في المستقبل تغييراً جذرياً من شعب؟
تبين الاحصاءات أنه يفضل الخطوات الاصلاحية الصغيرة بدل الحلول الشاملة والفجائية.
لا أحد يعرف ما قد يخبئه المستقبل، ولكن ما يجدر ذكره هنا أن الثقة في الجيش والمؤسسة العسكرية في لبنان عالية جداً وتزداد على مر السنوات في ظل تقلّص الثقة في الدولة، حسب أرقام الـ«أراب باروميتر[U3]» ودراسة نشرتها الـ«كارنيغي انداومنت[U4]». وقد أضحت المؤسسة العسكرية أكثر مؤسسة تتمتع بثقة اللبنانيين. في غياب أي بصيص أمل باحداث تحسن حقيقي في اداء الطبقة الحاكمة من تلقاء نفسها، هل يمكن أن نرى في المستقبل تدخلاً أكبر للجيش في السياسة والحكم، كما نسمع أحياناً حولنا أصواتاً تنادي بذلك؟ أم أن تمسّك اللبنانيين بالديمقراطية سيكون أكثر عمقاً ومتانة؟
[U1]Pew research center
[U2]Zero sum game
[U3]Arab Barometer
[U4]Carnegie Endowment