طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: قطرات من ندى الكلمات

طُبع كتاب «قطرات من ندى الكلمات» في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال» والتصميم قامت به شركة Impress

كلمات مهداة

 

إلى من استوحيتُ من فَيضِ ثنائهم.. نَغَماً ونثرا.. ونظمتُ من صدقِ محبتهم… حروفاً.. وشِعرا.. إلى موطن الإبداع.. ومصدرِ الإلهام.. إلى أحبتي… من أصدقاء شَرِفتُ بألوان مذاقِهم الفكري، والأدبي وكانوا الأنيسَ الجليس على نبضاتٍ من لَـمْسِ هواتفهم.. ورقيق أوراقهم.

لهم كلماتي…. وهم أصحابها، وحياً… ونقداً…وحباً.

مدخلٌ إلى الكلمات

قطراتٌ من ندى الكلمات، كتابٌ يخرج من الأعماق فيه الهوَى والهُيام، والرسمُ بحروف الكلام. خواطر تصيب القلب بخفقةٍ بوميض الجمال، وتصدح بالحب وتُسفر عن المشاعر. وخطرات تثير الجَدل في عديد القضايا، فتناقش، وتنقد، وتسخر، وتتوقف عند نماذج عرفتُها عن قرب، وخبرتها عن تجربة، فأسطّر ما علِقَ في خاطرتي من انطباعات وقناعات، وقضايا استحقّت عنديَ وقفة، ورأياً وانطباعاً.

كتاب تعديتُ فيه الخطوط، وقفزتُ فيه فوق الحواجز، هكذا أراني في كثير مما أكتب. قد أبدو فيه شاعراً ولستُ بشاعر، وأديباً ساحَ في عوالم شتى، فجمّلَ الأفكار برقيق الكلمات، ولطيف العبارات.

دخلتُ فيه عالم المرأة، لأبحثَ في أعماقها عبر الكلمة المنتقاة، لأقرأ في ملامح وجهها بؤرة الجمال في لوحة الوجود. فالجمال عندي هو البديل الأصيل لزحمة الضجيج، وتشابك الأنوار، وتلوث الهواء وعبثية المواقف، وهو صرخة في وجه مشاعرٍ وصلَت إلى الحضيض، وأفعال فاضت بالكراهية والعنف وحُب الذات، وسيطرت العداوة على بقايا الحب المنكفئ في خبايا كل إنسان.

اخترتُ الجمال منطلقاً لكلماتي، وقد كان في بؤرة الفلسفة، وإحدى مرتكزاتها، فالجمال لا يرجع إلى الموضوع فقط، بل ينصرف إلى الذات، وهو أرفع مكاناً من الجمال الطبيعي وحده، لأنه من إبداع الروح الأسمى من الطبيعة.

ربط الفلاسفةُ الجمالَ بالحواس، وربطوا الجمال بالفكر، وربطوا الجمال بالإيمان والحس الديني، وأعطوه صفة القداسة والخضوع. قالوا بأن الجمال هو تفريغ للذات وتعبير عن الباطن، والفن بداية هو الإنسان نفسه مضافاً إلى الطبيعة، وهو تسجيل لما تُمليه النفس الناطقة على الطبيعة. وتكييفُ هذه الطبيعة مع حاجات الإنسان بأبعادها المختلفة.

ربطوا الجمال بالحب والفن، لأن فنون الإنسان نشأت عن الجمال الأنثوي، والغريزة الجنسية، وشهامة الرجولة، فضلاً عن الحب العذري وتصورات الفروسية. ومذاق الجمال وروعة الفن هو إلهام من نوع آخر، هو الوحي بمعنىً من المعاني، لأنه يصبح مسموعاً ومرئياً بدقة غير اعتيادية، وبتحدٍّ خارقٍ للطبيعة.

كلماتُ كتابي تسترجع عباراتٍ تَغنّى بها صوتٌ عذبٌ رخيم، ترددت على مسامعي منذ نعومة أظفاري، وأعطت للحب بُعداً سلوكياً راقياً، يُنقّي القلب ويشرح الصدر، ويُهذّبُ المشاعر.

ومن لم يُفقّهه الغرامُ فجاهلٌ،

ومن لم يُؤدّبه فَغيرِ مُؤدبِ،

ألا إن تهذيبَ النفوسِ بحُبّها،

ومن لم يُهذبه الهوى لم يُهذَّبِ.

وأما خطراتُ أفكاريَ الأخرى، فهي رأي وانطباع وامتنان، أو لعلها سخرية أو نقمة أو تمرد. قد أبدو في بعضها مادحاً، رغم أَنَفَتي من طريق المدّاحين، وهذا عندي استثناء ،لأن شاعراً أمدني بالعذر قائلاً:

إذا كنتَ في كل الأمور معاتباً،

صديقكَ لم تلقَ الذي لا تُعاتبه،

فعِشْ واحداً أو صِلْ أخاكَ فإنه،

مقارِفُ ذنبٍ مرةً ومُجَانبه.

وقال:

إذا أنتَ لم تشرب مراراً على القذَى،

ظمئِتَ وأيّ الناس تصفا مشاربه،

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها،

كفى المرء نبلاً أن تُعَدّ معائبه.

كتابي أوراق أطّرحها بين يدي قارئي، هو محاولة أخوضها باحتراف المثقف، وحذاقة الإعلامي ومخاطرة البحار الباحث عن المرجان، وفي أعماق المحيطات.

كلمات… من وحي ذاتي. وهي معركة القرار…  في سر الكلمة… واقتحام الاسوار…

وفي النهاية كلمة شكر ووفاء لمؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، على تفضلها بنشر هذا الكتاب وأتمنى لها مزيداً من العطاء العلمي في عالم الفكر والإبداع.

د. أسامة ظافر كبارة

أمي.. نهرُ العَطَاء

دفءٌ غَمَرني سنينَ حياتي، ونورٌ أضاء لي مسيرة عُمْري. بهِ عرفتُ أن الحياة حُبٌّ خالص، ونهرٌ دافِقٌ من العَطاء. ومِنه اغترفتُ العزيمةَ والقوة، ورَجَوتُ به المَجد والفخار. عَرّفني أن العِزّة بالنفس كنزٌ يرفَعُ الهامات، ويُحلّق بالأبصار الشامخة إلى آفاق لا تدركها النفوسُ المستكينة، والأرواحُ الخانعة.

لم يكن إنساناً كسبياً في كثير من أفعاله، بل كان فِطريَّ الخُلُق والأداء.

مزاياهُ هبةُ من الله، وعطاءٌ ربّاني يُصيب الخاصَة من الناس.

أَطلّ على الحياة يتيماً، ولم تجرِ على لسانه كلماتُ النداء لأبيه أو لأمه، واحتضنتهُ الأيامُ برَفْعِها وخَفضِها، وذاقَ منها مرارةَ الحِرمان… لكنه ترعرعَ في كَنَفِ الأخِ الذي أحبّه ورعاه، وكان يستبشرُ بوجهه عند مُقتبلِ كل صباح.

كان قوياً مع ضيقِ ذاتِ اليد، متوثِّباً لوعودٍ آتية مع قادم الأيام. رجاؤهُ بالله أولاً، ورهانٌ واثقٌ بمستقبل الأبناء. فبهم كان يَقوى الأمل، وتشتّد العزيمة على حسن التدبر، وطولِ الإصطبار.

أُميٌّ لا يعرف القراءة والكتابة، عبقريٌ بثمار فكره َوفِطْنَته. لم يعترفْ بفقر العِلم عنده، ووجد العَوَض في أبناءٍ طلبوا العلم، وكان فوق رؤوسهم، لا يقبل أنصافَ المتعلمين.

كان واثقاً أن الفرجَ آتٍ، وأن الثباتَ مقدمةُ النجاح.. فأطالَ الله بعمرِه، ليرى الثِمار تنضجُ.. ولذيذَ المَذاق ِيطيب.

أبناؤه وبناتُه وجدوا فيه التميُّز إلى حدود الإنبهار، فكان شِدّةٌ في عزيمة، وعزيمةٌ في القرار.

تحدّى المرض.. ولو كان حدّاً يفصل بين الموت والحياة. ولم يمنعْه ذلك من حَضّ ولده على السفر، ليكتسب المعرفة ويواصل العلم. فمضى الابن لغايته، والدموع تختبئُ بين أجفانه، ودقّاتُ القلب المتلاحقة تنحبِسُ خلف ضلوعِه.

فَرِحَ بأبنائه وبناته، واحتضن الأحفادَ والحفيدات. تخطى التسعين.. وهو سيدُ البيت، وعميد الأسرة. وكيف للأيام طعمٌ ومَذاق، دون أحدٍ يأتي من كل أسبوع، حيث يرتفع الدعاء أمام لذيذ الطعام!

حين تنشطُ الذاكرة على كثير فَضله وعطائه، تتلخّص المعاني في سَهَرٍ في الليل، ودَمعٍ في النهار.

حُبُّ وعَطاء، وخوفٌ ورَجاء، يدٌ تحتضِنْ، وعين تحرُسُ وتصون. إيثارٌ يفوقُ التصور، وعطفٌ لا يبارح فِراش المرض.

معانٍ أستذكرها وأحياها ليل نهار.. فأدرك بها أنه حبيبي. بِحبٍ تقصرُ كل الحبيبات الأُخَر عن بلوغه.

فهل عرفتم من حبيبي؟ ومن طبيبي؟

إنها أمي.. ونور حياتي. إنها الانثى برمزِها الخالد، وعطائها الأبدي.

فهل لكم مثلي… وهل لكم بين الأنام على مِثالها؟

أطال الله بعمُرها، وأمدَّها بمديد رحمته وعافيته.

إنها الفضلى بين عديد النساء..

الزنزانة.. والعصفور!

صديقةٌ عزيزة أرسلت لي حديث ميشال كيلو عن طفل الزنزانة.

أرادوا منه أن يكون الحَكَواتي، لطفلٍ ولدَته أمه في السجن. راح يحكي له حكاية العصفور وطَيَرانه، سأله الطفل: شو هو العصفور؟ استغرب الحكواتي المعارض. فحدّثه عن الشمس، سأله الطفل: ما هي الشمس؟

بكت المذيعة من حديث ميشال كيلو وسال الكُحل من عينيها. أما أنا، فلم أدهش ولم أبكِ. بل وجدتُ في الأمر محض اتفاق. استغرابي كان لصبر السَّجَّان على حديث العصفور، والشمس، وهما رمز الحرية وشُعاع الكرامة.

تساءلت، كيف يتحدثون عن قلة الحرية في بلادنا، والرجل يتحدث عن العصفور والشمس! في الزنزانة! ظلَمَنا حكامَنا حقاً، ونستحق بذلك المصير الأسود. واختاروا لنا السجن مشكورين، واخترنا لأنفسنا المواجهة.

حديث العصفور والشمس، يستفزّ حكامنا، ونحن نقبع في عرين الأسود.

عودوا إلى صوابكم أيها الثائرون المعارضون، فالحرية ليست لكم، والكرامة ليست على مقاسكم.

لا تسمعوا لميشيل كيلو، وأقرانه، استمعوا لأزيز الطائرات وهدير المدافع، فهناك السيادة والممانعة والانتصار.

 

السفير… ووَهم التغيير!

بعد اثنين وأربعين سنة تُغلِق جريدة السفير أبوابها وتقلب الصفحة الأخيرة من صفحاتها، وينسدل الستار عن صحيفة لعبت دوراً مهماً في صناعة المناخ السياسي المتأزم في لبنان.

بالتأكيد لهذا الحدث أثره المؤلم في نفسي رغم أني لم أجد يوما نفسي في فلسفتها التحريرية، وهي قد كانت يسارية الهوى، متقلبة المواقف، تجيد الرقص على إيقاع القوى النافذة في لبنان والجوار.

اغلاق السفير يعيدني إلى بداياتها الاعلانية في التلفزيون وهي تصرخ بأنها «صوت الذين لا صوت لهم». وكنت من الذين أحبوا الشعار، ورحت ابحث عنه فيها حتى جاء الإغلاق.

وما زلت أذكر مقابلة للأستاذ طلال سلمان في بدايات جريدته، وهو يصرخ من على الشاشة: (يا خَيّي هالنظام منو عاجبني انّا حُر…).

ورحت أتلمس صورة النظام البديل الذي سترسمه السفير في كل عدد تصدره، وكانت تزداد حيرتي عن شكل النظام البديل ومعالمه.

لن أكون قاسيا في الحكم، لأنني كأكاديمي لا بد أن يلتزم المنهجية في تقييم أي تجربة، والأستاذ طلال سلمان يملك الجواب على كثير من تعاريج السفير وتقلباتها، وحبذا لو يريحنا من هذه المهمة الشاقة.

تجربة السفير تجربة غنية. فالعقيد الليبي معمر القذافي كان الداعم المباشر لمسيرتها. ومن سوء حظه أنها لم تقف إلى جانبه في أيامه الأخيرة، في حين أن رئيس جيش لبنان العربي القائد أحمد الخطيب  قد تظاهر في بيروت لنصرته وفاءاً لما قدمه القذافي لهذا الجيش من مؤازرة، وهذا ما قاله لي الخطيب قبل وفاته بأشهر، رغم عدم معارضته لثورة الربيع في ليبيا.

حزين فعلاً لأن صوت السفير قد خَفَت، وهي بداية انهيار الصحافة الورقية في العالم كله. نرجو للأستاذ طلال سلمان الصحة والعافية ليحكي لنا قصة السفير من ألفها إلى يائها من أجل إعلاء قدسية الكلمة وصفاء الفكرة والالتزام بالممارسة.  وهذه الكلمات ما هي إلا شهادة ذاتية لاعلامي يؤمن حقا بحرية التعبير وقداسة الرسالة رغم أنه (صوتٌ حقيقي مِنَ الذين لا صوتَ لهم).

قطر من الكلمات!

  • سترتسم الكلمات مع دقات القلوب، وتُزهِر براعمها عشقاً في ثنايا الصدور، وتتمايل العبارات أغصاناً مع نسائم العطور، وتغفو المعاني على شفاه الثغور.
  • أراكِ… وقد قاسمني الكتابُ حُبَك، فأخشع لسطوة الفكر طائعا مختارا. أسرق من جلستكِ الفكريه خواطرَ الحكمه، فاطمئن أنها ستعود إلي حين تكونين بين أضلعي، فاسترجع كل ما قرأتيه، وتتبادل الشفاه أساطين الحكمه، وروعة الفكر.
  • كيف تهربين مني، وهل يهرُبُ ناسكٌ من مِحراب عِلمه، ليغرَق في زوايا الجهل وعدم الاكتراث؟
  • طَهريني بدمعِ عينيكِ… بَكيتِ على بعدٌ مني، فاحترق الفؤاد. ليتكِ تعاودين البكاء، ولكن على صدري، لتغسلي بقطرات دمعِك نواحي جسدي، فيرتوي القلب والعقل والجسد.
  • أسيرتي وحبيبتي… انتِ خلف قُضبان صدري، تسرحين وتمرحين.
  • بسمةٌ على الشفاه تبتسمُ… تكاد تهوي القلوب من رَشَاقتها، رسائل حبٍ كأمطار الندى، تنهال قطراً على رُباها. يا ويحها من لحظها، عند العيون حين تراها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.