طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: على أرصفة الجنون

طُبع كتاب «على أرصفة الجنون» في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»

الإهداء

إلى محبي الشعر والأدب

وإلى كل من وقف إلى جانبي وشدّ على يدي

من أجل إخراج هذه المجموعة إلى النور

وإلى زملائي الكرام في منتدى طرابلس الشعري

محمد سهيل المير

مقـدّمة

عرفته منذ نعومة أظفاري؛ فهو شقيقي الأكبر الباحث دوماً عن الجمال، في المرأة والطبيعة والموقف والمسيرة وكثيراً ما يلتئم شمل العناصر المذكورة فتشكّل وعياً حادّاً يجعل شاعرنا اليافع «الشاهد المتأمّل» و«القاضي الباحث عن العدالة» و«المتّهم» الذي تحاول الشكوك إعادة طلائه من جديد فيرتهن للعدمية.

نشأ الشاعر محمد سهيل المير في بيئة ريفيّة ضيّقة خِلْوٍ من المؤسسات التعليمية فاضطر إلى الذهاب الى مدرسة دير عشاش مع أخيه كل يوم سيراً على القدمين مواجهاً البرد والتعب والبعد وخطر الحيوانات المؤذية في الطريق، لكنه تابع المسيرة محاطاً بالذعر والقلق، عاقداً هدنةً مع الزمان، فغزل من الأمل ملاءة تخفي عن عينيه ظل الواقع وعتمة البؤس، من دون أن يغيب وعيه للذات التي بقيت تسامر الواقع المرفوض وتنادم الأخطار وتقيّم الاحتمالات. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الواقع المذكور، لم يكن يحتضن الشاعرَ الاحتضانَ الكامل ولم يكن يقدم له لِحاءَ الأمان فقد كان غنيّاً بالمفاجآت التي لا ترضي؛ والتي كانت انعكاساً لشقاء مقيم أو احتجاجاً على شقاء زائر لذلك كان على شاعرنا:

1- رعاية القلق ومراقبة نموِّه التراكمي.

2- البحث عن ذاته المنفيّة بين الركام.

3- إعادة تشكيل معطيات الحس وظهور التدفّق الوجداني.

4- غياب الذات أو تغييبها، وإقامة حسن تجاور مع مساحات الغياب المذكور.

بالنسبة إلى النقطة الأولى، يعانق الشاعر القلق وما يتفرع منه، ويرى فيه جزءاً من الحياة، فالضجر قد يؤسس لحياة جديدة فهو يبني لنا الرفض المحصّن غيرَ القابل للافتراق يقول: «يتمطّى في صدري الضجَرُ… والحقدُ الأسودُ يستعرُ… فأجرّبُ أن أمضيَ… أن أهربَ… لكنْ يمنعني الحذرُ»

وهذا الضجر قد يشحن حياة الشاعر بتوتر مضيء إلى حين.

د. طلال المير

قبل الجنون

 

ألعمر أفلتَ عبر قنطرة الزمانْ

جاءت فصولْ

ماتت فصولْ

وإليكمُ الفصل الأخيرْ

(فصلي الأخيرْ)

قبل الجنونْ

وطلعتِ أنتِ عليَّ شاحبةً مكسَّرة الجفونْ

تبغينَ قلباً شاعرياً.

آخ، قلبي قد تبخر،

صار قلباً من دخانْ

الريح تحمله، وتقذفه بعيداً..

في متاهات المدى

عبر الزمان، وعبر أقبية الزمانِ

فلا يرنُّ له صدى

هل تدركين؟

لا لن يرنَّ له صدى

ويعود قلبك للخفوقْ

تتطلَّعين وتحلُمينْ

بالشاعر الملقى، بلا قلبٍ

على درب السنينْ

دامي الجبينْ

آماله احترقتْ، كما الأعشاب،

إذْ هبَّ الحريقْ

هبَّ الحريق ولم يدع لي من رؤى الماضي سوى بعض البريق

ويلوح أحياناً فأتبعه،

وأمشي مجهداً،

أبغي الطريقْ

ضاعت علاماتُ الطريقِ

وفزتُ بالحزن العميقِ ولم أزلْ

أقرا بعينيك السؤال متى الزواجْ؟

متى الزواجْ؟!

دعي التحدث يا شقية في الزواجْ

فالليل داجٍ والرياح عواصفٌ

والجوُّ ينذر بالمطرْ

وأنا هنا أبغي السفرْ

أبغي السفرْ (ليس الزواجْ)

أبغي السفرْ

للاَّمكانْ.

مشوار الحياة

مشينا…

ركضنا…

تعبنا؛

حصدنا الرياحْ،

وبعض الجراحْ،

وشيئاً يسمّى.. ندمْ..

حصدنا كلانا الألمْ؛

وما زلتُ أنتظر الغيمة الراحلةْ

لأمضي،

أخاف تخلِّفني القافلةْ

وحيداً؛

وتهربُ مني الحياة

الرحلة الأخيرة

 

وأشرب كأسي وحيداً،

أناديكِ،

أُغمض عينيّ،

أَفتح عينيّ: لا شيء غير السوادْ.

طلبتكِ حلماً،

وأوغلتُ، أوغلتُ في السيرِ

خان الرجاءُ دروبي.

تشظّيتُ لُمّي بقاياي، لمّي رمادي

فأرجعَ خَلْقاً سويّا.

تمنيتُ أنْ ألتقيكِ. التقينا.

ومرّت سنونْ

ومازلتِ جرحاً يسامر قلبي

ويُشعل فيَّ الظنونْ.

أُفتّش عنكِ وأسأل: لا الأرض ردّت جواباً

وحتى السماءْ

تضنُّ ببعض الرجاءْ؛

فأسرجتُ حلمي، وطرتُ إلى كلِّ دربٍ مشينا عليها،

وكلِّ زوايا الحنينْ

توقفتُ عند المفارق أصرخُ لِمْ أنتِ لا تسمعينْ

فردَّ الصدى: … أنتِ لا تسمعينْ

هو الليلُ. شُدّي إليَّ الرحالْ.

تعالَيْ، تعرّي،

وغيبي على خُلَّبٍ من حنينْ.

هجرتكِ، خنتكِ،

أخطأتُ لكنْ

أعود على أملٍ باللقاءْ

فهل تصفحينَ وهل تحلُمينْ؟

هو العمر غلطة طيشٍ

فكوني الطبيب وكوني الدواءْ

ولا ترجميني بهجرٍ مبينْ

لماذا الطيورُ التي هجرتنا إلينا تعودْ؟

ومازلتِ تنأيْنَ، تنأيْنَ،

هل بدأتْ رحلةُ اللا لقاءْ؟

لقد فرَغَ الدَّنُّ، والكأسُ جفَّتْ

فكيف العزاءْ؟

وداعاً .. وداعاً .. إلى لا لقاءْ

محنة أبي نواس

 

مَنْ مجيري؟؟

هبط الليل وعرَّاني سوادْ

غرق الدنُّ بحزني!

أيها الساقي أجرني

رحل العمر ولم تُقبل جنان.

المواويل التي غنَّيتُ.

أحلام الفراشات…                           الحصان الخشبيّ

سرقتها من يديّ

لذعة الآخ بحرّ الهاجرةْ

هوَّم الليل بعينيّ،

شربتُ الصمت…                           لم أعبرْ إليها

وأنا صاحٍ.

تخِذتُ الخمر حبلاً ورجاءْ

أفرغِ الكأس لتُلقي

ما بجوف الدنّ                      في جوفي

ألمْ تسمعْ ندائي؟

أنا ما عاد أمامي وورائي

غير هذي الدمعة الحمراء

تنسيني الجراحْ

هاتها حتى الصباحْ

وإذا ما فرغ الدنُّ فثنِّ

لا تدعني صاحياً                             يَعمقُ جرحي أن أراها

يسرق الليل خطاها

لدروبٍ ليس لي فيها نصيبْ

مَنْ مجيري من جنانْ

غير بنت الكرم في هذي الدّنان.

أقسى من الغربة

العصافير تغنّي

زبد البحر أجاجٌ.

زيّفي التاريخ؛ لن تهدأ صرخات الليالي.

قمر الشوق رخامٌ

مبحراً كنتُ ومجذافي جنوني.

شجر الرمّان، في مملكة الحسونِ، ما حلْ

وهو ما زال يغني

– والعصافير، على الجرح تغني – يا يداً خافتة النبرة جني،

واقلبي الصفحة؟ إنَّ الجرح قاتلْ

رحلتْ كل الزنابقْ

ثلجكِ، السمُّ،               ينابيع الجحيمِ

وشمتْ عمري، أستظل النار قلبي.

رنَّق الصحو بعينيَّ                تغربت طويلاً

والتقينا:

كنتِ لي أقسى من الغربةِ في يومٍ خريفيّ الرنينْ

كنتِ نصل المقصلةْ

وهو يهوي باتئادٍ… باتئادِ

وأنا أنتظر الموت احتراقاً

في سرير من سهاد

وداع عبر الهاتف

«… وداعاً. وداعاً…»

وغلَّف صوتَكِ غيمُ شتاءٍ ثقيلْ

سمعت تدحرج دمعكِ

عبر الأثيرْ

تيقنتُ أن أذنتْ لحظة اللالقاءْ

وكنتُ أخاف ليالي الشتاء الحزينةْ

تُرى كنتُ أحدُس أن الوداع شتاء طويلْ

وأنَّ انهمار الثلوج،

إذا اربدَّ وجه الحياةِ

هو الموتُ،

أو أنه ما تحوك السماءْ.

وكنتُ أظنُّ الوداع خلاصاً

وكنتُ أظن الرحيل خلاصاً

وها أنا لا أستطيع رحيلاً،

ولا أستطيع وداعاً…

وأنتِ على قاب قوسين مني!؟

فكيف اقترابي؟،

وأنت على شرفة الجرحِ،

ما بين نارين،

يا نار لو تنطفين!..

«وداعاً…»

ولملمتُ بقيا عنادي

وزهوي

وقلتُ وداعاً.

وأبحرتُ في أفقٍ مستحيلْ…

على طريق الجلجلة

عرباتُ النفي في الليل الطويلْ

شرفة الإعدامِ.

عصفورٌ يغني

وأنا في غربة السجن أطيرْ

أعطني قوس قزحْ

مدَّ لي حبلاً من الوهم، أعنِّي

فوق درب الجلجلةْ

بين ضوء الفجرِ والموتِ

هنيهاتٌ

وبين الموت والنهر مسافةْ

أيها الحارس لا تفتحْ صناديق الخرافةْ

هرمتْ كلُّ المواويل على شباكِ سجني

فَرَغتْ كلُّ جراري

صوت أطفالي أضاء الليلَ. أشعلتُ حنيني

فاتركوني

فوق أعواد المشانقْ

أُتركوني

تأكل الغربان من لحمي،

وتذروني الفصولْ.

غير أني…

عفوَكم، يا سادتي،                           بعدُ رجاءْ.

قبلَ موتي بدقائقْ

أطعموا كسرة خبزٍ لصغيري…

قبل أن ينتعل البرق ويمضي

Loading...