طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«من أعماق الذاكرة» للدكتور بشارة متى

متى

يفاجئك ابن عمشيت، البلدة الساحلية الجبلية، إذ يكتب سيرته الذاتية «من أعماق الذاكرة»، فتكتشف ان القاضي هو في الآن ذاته المعلم والرسام والفنان وعاشق الجمال يمثل صورة، وتغوص معه في صفحات بئر ذكرياته، صبياً يحمل حقيبة على ظهره من بلدته إلى مدينة جبيل التاريخية المجاورة، تلفحه نسمات الصباح الباردة الآتية من أعالي الجبال ملتقية مع عليل البحر، وسط طبيعة خضراء عزّ جمالها.

لا يقف القاضي عند مصاعب الدراسة، متنقلاً من جبيل إلى بيروت بما يشبه الغربة، منتسباً إلى «دار المعلمين والمعلمات» متخرجاً غير مكتفٍ بما حصّل.

بل يتابع دراسته الليلية حتى نيله البكالوريا،

ثم ينتسب إلى كلية الحقوق والعلوم السياسية،

معرفاً القارىء – لكتابه «من اعماق الذكريات» – على  معلميه وأساتذته،

ثم ملتحقاً بالوظيفة العامة والضمان الاجتماعي في عهد المدير القدير د. رضا وحيد،

غائصاً في هموم الوظيفة ومحاضر التفتيش على المؤسسات في كل البقاع اللبنانية، بما فيها بالطبع طرابلس حيث يخوض جولات وصولات،

ثم لا تكفيه الوظيفة العامة حدود الطموح فيفوز في مباراة «معهد الدروس القضائية» قاضياً متدرجاً ثم قاضياً أصيلاً، متقلباً في مختلف المناصب القضائية،

عائداً إلى «معهد الدروس القضائية» مديراً له طيلة ثلاثة عقود، ثم مستشاراً في محكمة التمييز إلى جانب الرئيس الأول بدري المعوشي، منهياً عمله القضائي رئيساً لهيئة القضايا في وزارة العدل وعضوية مجلس القضاء الأعلى.

ولكن «بشارة متى» ليس كل ما سبق فقط، فهو الرسام والصحافي المزامل للأستاذ الكبير باسم الجسر، موقعاً بأسماء مستعارة،

شاهداً على أحداث سنة 1958،

المحاول ان يكون مذيعاً في الاذاعة اللبنانية متعرفاً إلى كبار الفنانين والأدباء من أمثال جوزيف نجيم وقيصر الجميل ونسيم يزبك وسعيد عقل وفؤاد أفرام البستاني،

ذاكراً في كل مرحلة أسماء زملائه في الدراسة أو العمل،

مسترجعاً ذكرياته الرياضية في «نادي عمشيت»،

منتهياً بالتقاعد في نهاية المشوار، مُكَرَّماً في وزارة العدل وفي الصحافة، مسجلاً فيضاً من مقالاته التي تفوح  برائحة العطر والذوق، تخرج من بين أنامل أديب فنان قبل ان يكون القانوني البارع، وهو الذي كتب القصة القصيرة ولم ينسَ نصيبه من التأليف الحقوقي.

أي حياة ثرية هذه التي غار في أعماقها على مدى ستمائة من الصفحات أديب وفنان ومعلم وصحافي وموظف وقاضٍ فلم يترك مجالاً للقارىء إلاّ ان يعيش معه دقائق عمره.

بورك قلمُك وطال عمرك.

* نائب رئيس المجلس الدستوري

Loading...