طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

الالتحام الوطني بعد الحرب الأهلية: كيف تنتقل المجتمعات المنقسمة من الاقتتال الى المصالحة الحقيقية؟

الحرب الأهلية ظاهرة مألوفة في الوطن العربي، وفي بلاد العالم الثالث عموماً. كما أنه ليس ببعيدٍ الزمن الذي شهدنا فيه بلاداً أوروبيةً تمزق  شرائح مجتمعها بعضها البعض. الحرب الأهلية هي حربٌ بين الأهل، الجيران، سكان الحي الواحد، فيبدو من بعدها من الصعب جداً اعادة إلتحام النسيج الاجتماعي و الوصول الى مصالحةٍ حقيقيةٍ. فنرى حولنا أمثالاً كثيرةً عن أحقادٍ عبرت الأجيال وسافرت مع المهجَّرين وغلبت عامل الوقت لتبقى، على ما يبدو، صفة أزلية لبعض المجتمعات ولتبقى تلك البلاد دائماً على حافة الوقوع في حربٍ جديدةٍ (ان لم نرَ اعادة اشتعال العنف مجدداً). لكن، من جهةٍ أخرى، هناك أيضاً بلاد تخطت تلك الانقسامات وانتقلت من مرحلة الحرب الأهلية الى المصالحة الحقيقية. فكيف استطاعت تلك المجتمعات تحقيق ذلك؟

السلام السلبي شيء والسلام الايجابي شيء آخر

الطرق الى السلام الأهلي متعددة وتتضمن خطوات كثيرة واساليب ومقاربات عديدة، منها سبل وقف اطلاق النار أو الدور الذي يجب أن تلعبه الأمم المتحدة، مثلاً، أو كيفية اعادة هيكلة المؤسسات الحكومية والتمثيل السياسي لضمان الحفاظ على حقوق جميع اطراف النزاع الخ.

الهدف من هذه الدراسة ليس التطرق لجميع أوجه السلم الأهلي، بل الى موضوع واحد فقط: كيف نحقق مصالحة حقيقية داخل مجتمع منقسم انقساماً عميقاً جراء حربٍ أهلية؟ فالسلام السلبي شيء والسلام الايجابي شيء آخر. السلام السلبي هو مجرد غياب العنف المباشر، غياب الحرب ووقف اطلاق النار. أما السلام الايجابي، فنحققه عندما نصل الى غياب العنف الهيكلي (i) (أي الوصول الى نظام يؤمّن احتياجات الجميع ولا يرسخ ظلم أو تهميش أي فريق) ونعيد العلاقات والقبول المتبادل بين مختلف أطياف المجتمع.

كيف نحقق السلام الايجابي و المصالحة الحقيقية اذاً؟

لا يكفي أن يتفق الأفرقاء على نظامٍ سياسيٍ

هناك عدّة مقاربات ونظريات. فمن الباحثين من يتفحص كل الأفرقاء في النزاع، فيتطرق لتأثير النزاع على كل فريق و يجزئه الى جزئين:

الجزء الأول، الخارجي، يتضمن الأضرار التي تكلفها الفريق من أضرار مادية الى أضرار سياسية و اجتماعية.

أما الجزء الثاني فهو يتضمن الأضرار الداخلية، أي التأثير النفسي، النظرة الى الفريق الآخر، الرغبة في الانتقام، الشعور بالاحباط، الاعتقادات التي يعتقدونها عن الفريق الآخر الخ.

في هذه المقاربة، تكون المصالحة مبنية على عدد من الأنشطة والمبادرات التي تستهدف الصفات المعينة والمشاكل لدى الأفرقاء. ومن الملفت أن الأبحاث تبين ارتباط الشقين الداخلي والخارجي، فلا بد من معالجة الاثنين والانتباه لكليهما للوصول للمصالحة الفعلية المستدامة.

فلا يكفي، مثلاً، أن يتفق الأفرقاء على نظامٍ سياسيٍ يضمن مشاركة الجميع دون الاعتراف بجرائم قد تم ارتكابها أو دون أن يفصح كل فريق عن مصير المخطوفين. والعكس صحيح، فورشات العمل والمواجهة بين الفريقين وفتح الملفات ومعاقبة المجرمين لن تؤتي نفعاً ان بقي البلد مهدّماً والاقتصاد منهاراً والبعض مهمّشاً.

المصالحة الفوقية!!  

على خلاف هذه المقاربة، هناك عدد من الباحثين يفضلون التركيز على الأشخاص الذين يمكن لهم لعب دور فعال في عملية المصالحة ويقسمونهم الى ثلاثة مستويات:

– المستوى الأول يحتوي على القيادات العليا في كل فريق، أي أعلى القيادات العسكرية و السياسية و الدينية.

– المستوى الثاني هي القيادات المتوسطة، أي شخصيات تتمتع باحترام وتقدير في مجالاتها، كأكاديميين مثلاً أو مرشدين دينيين ليسوا على المستوى الوطني ككل انما على مستوى مناطقهم، أو حتى أناس ظاهرون في العمل الانساني.

– أما المستوى الثالث والأخير، فهو ما يسمى المستوى الشعبي أو الغراسرووتس وهو مؤلّف من قيادات الأحياء مثلاً، أو من أشخاص مسموعين في مجتمعاتهم كأطباء أو اداريين. الباحثون الذين يسلطون الضوء على مستويات القيادة المختلفة يوضحون الدور الذي يمكن أن يلعبه كلٌّ من المستويات. فلكلٍّ منهم خصوصياته وميزاته.

لبنان: هل المصالحة حقيقية؟

فقياديو المستوى الأعلى يتمتعون بالاضاءة الاعلامية وجميع خطواتهم يتم مراقبتها عن كثب. أولئك يمكنهم القيام بمحادثات على أعلى الأصعدة وبمشاركة الدول والأمم المتحدة ومن المتوقع أن يتّبعهم المنتمون الى أحزابهم وفِرقهم. فالافتراض هنا، ان كان أشخاصاً من هذا المستوى يقودون عملية المصالحة، انهم يتمتعون بولاء من ينتمي لفريقهم والمصالحة، إن أعلنوها، ستطبق من قبل أتباعهم. هذا هو المسار الذي اتُبع في لبنان بعد الحرب الأهلية، وأترك لكم أن تحكموا إن كان قد أدّى الى مصالحة حقيقية لدى الشعب.

أما الأبحاث، فبعضها يستنتج أن طبقة القادة التي تستطيع احداث أفضل النتائج هي طبقة القادة الوسطى لأنهم يتمتعون بعلاقات مع القادة على المستويين الأكبر والأصغر، ولديهم شبكات تواصل ضمن فريقهم مع الجميع، من هم أعلى منهم موقعاً و من هم أقل منهم موقعاً مما يعطي فرصةً أكبر لنجاح المحاولات. فهم يعيشون و يتشاركون هموم الناس وصعوباتهم وهواجسهم، كما أنهم يحتكون بزعماء الحرب فيعرفون ما هو على المحك. يستطيعون تصويب عملية المصالحة و اقناع الناس بها.

أما القادة الشعبيون، فدورهم تسهيل التقاء الأعداء، والحوارات على مستوى الأحياء، والمشاركة في ورشات عمل حيث يتم التعبير عن المآخذ والمخاوف والاتفاق على حلول على المستوى المحلي.

معرفة الحقيقة شرٌّ لا بدّ منه لتطهير النفسيات

بعيداً عن التقنيات، نستطيع القول أن السبل الى السلام متعددة ومعقدة. المؤكد أن الوصول الى السلام يحتاج لوجود مناخٍ ملائمٍ لوقف القتال، ولجهودٍ كبيرةٍ من عدة أطراف وعلى عدة أصعدة. لكن من المؤكد أيضاً أن السلام لا يمكن أن يكون مستداماً من دون وجود مصالحة حقيقية لدى الشعوب والناس. فبالرغم من اعتراض بعض الشرائح وحتى بعض الذين عانوا الأمرّين خلال الحروب على فتح صفحات الماضي واعادة تفتيق الجروح الأليمة، غير أن الدراسات والتجارب أثبتت أن معرفة الحقيقة وسماع ما حدث والنظر مباشرةً الى المشكلة هو شرٌّ لا بدّ منه لتطهير النفسيات من الماضي الأليم واعادة فتح صفحةٍ جديدةٍ.

الحقيقة، الرحمة، العدالة، المساواة 

وقد قدّم أحد أشهر الباحثين في سبل المصالحة و السلام، جون بول ليديراك، نظرية أن المصالحة الحقيقية تكمن في اجتماع العوامل الخمسة: الحقيقة (أي الاعتراف والأفصاح عما حدث والوضوح)، الرحمة (أي القبول والعفو والتعاطف والدعم)، العدالة (أي تصحيح الأخطاء والتكفير عنها،  العلاقات السليمة) والسلام (الاحترام والوحدة والانسجام).

فنرى اذاً أن معرفة الحقيقة جزء أساسي من العفو وخطوة أساسية باتجاه التكفير عن الذنوب والوصول لتقبل الآخر و الانسجام معه، ولا سلام مستدام دون ذلك. كما أن العدالة ليست بالضرورة من خلال السجن والمعاقبة، بل من خلال وجود فرص للمواجهة بين الطرفين والاعتراف والاعتذار وخلق سبل للمضي قدماً سويةً.

المثل الجنوب افريقي

هناك عدة وسائل و نشاطات للوصول للمصالحة، منها على الصعيد المحلي، بين أبناء الأحياء، مثل لقاءات مصالحة بوجود طرف محايد حيث يتم البحث عن حلول والاتفاق على سبل التعويض والاعتذار مثلاً.

ومنها التي تكون على مستوى الأمة ككل، ولعل أبرز الطرق التي اعتمدتها عدة دول للمضي قدماً والمصالحة بعد الانقسام الناتج عن العنف الأهلي هي انشاء ما يعرف بـ «لجنة الحقيقة والمصالحة» وأشهر من اعتمد هذه الطريقة هي جنوب افريقيا. تقوم هذه اللجنة عموماً بالانصات الى روايات ضحايا جرائم الحرب أو الأنظمة الاستبدادية وغالباً ما تضع الضحايا ومرتكبي الجرائم وجهاً لوجه فتخلق المساحة للمواجهة والاعتراف وطرح الأسئلة ومعرفة الحقيقة.

الهدف الأساسي لتلك اللجان هو توثيق ما حدث بشكل رسمي، فتقطع الطريق أمام محاولات اعادة كتابة التاريخ أو التزوير والتعتيم. كما أنها تخلق طريقاً آخر لما يسمى العدالة التصالحية (ii) التي تهدف لمصالحة الضحية والمرتكب بدلاً من العدالة الانتقامية (iii) التي تهدف للمعاقبة.

هذا الأمر يدفع البعض الى انتقاد هذه الوسيلة لأنها عادةً تعطي العفو لمن يتقدم للمفاتشة والمُساءلة من مرتكبي الجرائم فتبدو غير عادلة. انها وسيلة غير كاملة طبعاً وغير مثالية، لكنها غالباً تحقق هدفها الأساسي وهو تسهيل الانتقال الى مرحلة ما بعد التقاتل الأهلي بشكل أسلم ومعرفة مصير المفقودين والضحايا مما يعطي شعوراً باقفال المرحلة لأهلهم ويسهل تخطي ما حدث.

اضافةً الى ذلك، العدالة الانتقامية تولد شعوراً بالظلم لدى الخاسرين في الحرب، اذ أنها عدالة المنتصرين، فلا تؤدي الى الوصول لعلاقات سليمة ومصالحة، خصوصاً أن الجرائم غالباً ما ترتكبها جميع أطراف النزاع.

ماذا يحدث عندما لا نقوم بهذا العمل الصعب؟

 السلام اللبناني السلبي

لا نحتاج للبحث طويلاً كي نجد المثل. ففي لبنان، يرفض الجميع ما يسمونه «نبش القبور». بعد الحرب، توصّلت الدول الكبرى والقوى الاقليمية وكبار القادة السياسيين والعسكريين والميليشياويين الى اتفاق ترك بعض الشرائح اللبنانية تشعر بمظلومية وعفا عن جميع من شارك بالحرب دون أن يطلب آيٌّ منهم السماح.

نزل من بعد ذلك على الحرب غطاء الصمت فبات هناك شبه تحريم بفتح ملفاتها أو التفتيش فيها أو السؤال عما حدث.

ذهب المفقودون ضحية ذلك فلم نعرف عن مصيرهم شيئاً.

أصبحت الحرب من الممنوعات لدرجة أن كتب تاريخنا تتوقف عند الاستقلال لتجنب التطرّق لحربٍ لم نتفق بعد على رواية موحّدة لها. فهل انتج التعتيم والكبت سلاماً حقيقياً؟

نعم، لدينا سلام سلبي ولم نعد نطلق النار بعضنا على بعضنا الآخر (كثيراً)، لكن هل وصلنا لتقبل الآخر والعيش المشترك والثقة ببعضنا ببعض والالتحام الحقيقي؟

أترك لكم الحكم على ذلك.

i Structural violence

ii Restorative Justice

iii Retributive Justice

Loading...