طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

القضاء بين الواقع والآفاق

صاري

القضاء بتصوري ليس مهنة، بل هو إستعداد فطري وجيني لإحقاق الحق والبعد عن الماديات في نطاق تعميم قيم الخير في المجتمع.

فمنذ انتسبت لسلك القضاء وأنا أحمد الله كل يوم لأنه مكنني من التقرب إليه عبر خدمة عباده بفرض الحق والإبتعاد عن مغريات دنيوية مادية، والسمو بالعمل لينال كل مواطن ما يستحق.

تجارب 24 سنة في القضاء

لقد مررت بتجربتي القضائية خلال 24 عاماً بمختلف أنواع العمل القضائي:

– من قاضٍ منفرد في عكار وبشري والبترون،

– إلى مستشار «محكمة الجنايات» في الشمال،

– ومستشار «محكمة الإستئناف» في الجديدة،

– ورئيس «مجلس العمل التحكيمي» في جبل لبنان وفي بيروت،

– ورئيس لـ «محاكم الإستئناف الجزائية والجنايات» في جبل لبنان،

– ورئيس أول منتدب لـ «محاكم الإستئناف» في جبل لبنان،

– ومستشار «محكمة التمييز المدنية»،

– ومستشار «محكمة التمييز الجزائية»،

– ومفتش عام على «المحاكم السنية في لبنان» (26 محكمة)،

– إلى محقق عدلي في قضايا الإعتداء على أمن الدولة (قضيتا الإعتداء على حافلات العسكرين في التل والبحصاص – طرابلس).

كقاضٍ لم أتعرف على رجال السياسة

ولا شك في أنني خضت تجربة غنية في استقلال القاضي، إذ أنني طيلة مسيرتي القضائية لم أتعرف على رجال السياسة في عملي كقاض، وكانت المسافة بينهم وبيني كما هي مع سائر المتقاضين بدون أن يُثنيني ما تعرضت له من غبن في تولي بعض المراكز التي طمحت إليها، لأن الوصول إليها له طرق، وفق مقياس السياسة اللبنانية.

وكل ما يمكنني قوله إنني منذ دخلت  سلك القضاء، لم يتسرب القلق إلى نفسي وبقيت أغفو ليلاً فور رغبتي بالنوم.

للإصلاح إستقلال القضاء

وتحتل قضية إستقلال القضاء حجر الزاوية في الإصلاح السياسي وسيادة القانون،

فالقضاة لا يطلبون لأنفسهم مغانم آنية، وإنما يعبرون عن مطالب اللبنانيين جميعاً في الحياة الديمقراطية والبُعد بالقضاء عن آفة التدخل السياسي.

ضبط مسار السلطتين

فإنطلاقاً من مبدأ فصل السلطات، يستطيع القضاء أن يضبط مسار السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويرسم حدوداً لسيطرتهما على الشأن العام.

لا رغبة في قيامهم بالإصلاح الشامل للقضاء

ودور القضاء اللبناني في حماية حريات وحقوق اللبنانيين ضد أي اعتداءات عليها، يهدف إلى تحقيق مصالح الدولة، وهذا الدور للقضاء اللبناني على مر العصور، قد يُفسّر عدم الرغبة في إجراء إصلاح قضائي شامل، عن طريق تعديل قانون السلطة القضائية، لأن هذا الإصلاح يُفرز بالضرورة قضاء مستقلاً، يملك الآليات القانونية للوقوف ضد مشروعات السياسيين التي لا ترعى مصالح الناس.

إستقلال السلطة القضائية:

– في موازنتها،

– وفي إختيار مجلس قضائها الأعلى مباشرة من قبل القضاة،

– وتعيين قضاة متقاعدين في «مجلس القضاء الأعلى» بنسبة الثلث،

– وإبعاد الطائفية والمحاصصة عن التعيينات القضائية،

– واختيار القضاة وتطوير «معهد القضاء»،

– واعتماد مبدأ الكفاءة وتقارير التفتيش القضائي منطلقاً وحيداً في التشكيلات القضائية.

لإقامة نادٍ للقضاة

ولا بد من قيام نادٍ للقضاة لأنه يشكل تنظيماً ديمقراطياً فريداً من نوعه في المجال القضائي،

قرارا «الأمم المتحدة» بشأن إستقلال القضاء

خاصة وأن هذا التنظيم الذي يُدافع عن إستقلال القضاة تقرّه المواثيق الدولية، وأهمها بهذا الخصوص مبادىء «الأمم المتحدة» الأساسية بشأن إستقلال السلطة القضائية، والتي اعتُمدت بقراريّ الجمعية العامة لـ «الأمم المتحدة»، أي القرار رقم 40/30 في تشرين الثاني 1985، والقرار رقم 4/146 في 13/12/1985.

المادة: 8

حيث نصّت المادة الثامنة من هذه المبادىء على أنه:

«وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والإعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، ومع ذلك يُشترط ان يسلك القضاة دائماً لدى ممارسة حقوقهم مسلكاً يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة وإستقلال القضاء».

المادة: 9

ونصت المادة التاسعة على ان:

«تكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات القضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المِهني وحماية إستقلالهم القضائي وفي الإنضمام إليها».

وأذكر حين دعاني رئيس «مجلس القضاء الأعلى»، الرئيس الراحل  فيليب خيرالله – القاضي الراهب رحمه الله – للمقابلة لدخول سلك القضاء، سألني لماذا تتقدم لسلك القضاء وأنت محام عامل وأمين صندوق نقابة المحامين، فأجبته:

«لأنني بحاجة إلى محام يُحصّل لي أتعابي».

رابطة قدامى القضاة في لبنان

Loading...