طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

قراءة في آية (الحلقة الثالثة): (الآية 77 – سورة القصص)

د. عبد الإله ميقاتي

}وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{ (سورة القصص – الآية 77).
آية كريمة وردت في «قارون»، وكان من أغنى أغنياء قوم «موسى»، ولكنه بغى عليهم بظلمه وتكبره وعجبه بما آتاه الله من الكنوز
}مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ{ (القصص 76)، حتى إنه وصل في تكبّره أن رَفَضَ الإقرار بفضل الله عليه، حيث قال: }إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي{ (القصص 78).
وفي سياق هذه القصة وردت الآية الكريمة:
}وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{ (سورة القصص – الآية 77).
والعلماء يأخذون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية الكريمة تشكّل في ذاتها نظام حياةٍ بما فيها من توازنٍ كاملٍ ودقيقٍ بين المادة والروح، بين عمل الدنيا والسعي للآخرة، كما تُظهر أهميةَ الإحسان في العمل، وتجنّبَ الفساد حتى يستقيم عملُ الإنسان وحياتُه في الدنيا، ويحظى بنعيم الآخرة.
وفي الآية محاور أربعة، نتوقف عند كل منها، وعند الربط البديع بينها.
1- }وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ{، أي، ليكن سعيُك في كل ما آتاك الله من كنوزٍ مادية، وقدراتٍ علمية، وصحةٍ وعافية، ونعَمٍ كثيرةٍ لا تُعدّ ولا تُحصى، ليكُنْ كلّ ذلك في طلبِ الآخرة، لأنّ الدنيا دار ممرّ والآخرة دار مقرّ، فالهدف في الحياة الدنيا يجب أن يكونَ تزوّداً للدار الآخرة. وقد أخفى الله تعالى ساعة الخروج من الدنيا حتى يُدرك الإنسان أهمية العمل لما بعد الموت. يقول تعالى: }إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا }6{ وَنَرَاهُ قَرِيبًا{ (سورة المعارج 6-7)، ورحمَ اللهُ القائل: «أخفى الله القبول لتبقى القلوب على وجل، وأبقى باب التوبة مفتوحاً ليبقى الإنسانُ على أمل».
أي أن هذا الهدف قد يبدو للبعض بعيد المدى. ولكن، حتى ولو ظنوا ذلك، فإن في هذا مغزىً كبيراً جداً. حيث يرى علماء اليوم أنّ الهدفَ كلّما كان بعيداً، وكبيراً، كلما استوجب التخطيطَ السليم له، والتجزئةَ الصحيحة له، والسعيَ الدؤوب للوصولِ إليه، مع ترتيبِ الأولويات. وبذلك تكونُ إمكانيةُ تصويب المسار أفضلَ بكثير، مع التركيز الكامل دائماً على الهدف الرئيس، هذا في أمور الدنيا، وهو في أمور الدين والآخرة كذلك. فالحديث الشريف «كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون» (رواه الترمذي والحاكم) يُقرُّ إمكانية حدوث الخطأ – بل وكثرة الخطأ عند الإنسان – لأن ذلك من طبيعة البشر. فالتوبةُ تكون بعدم الإصرار على الخطأ وبالرجوع عنه، وبتصحيح المسار، وهذا غير متاح دائماً في الأهداف قصيرة المدى. كما أن تحقيق الأهداف طويلة المدى يستوجبُ محطاتِ تقويةٍ وتنقيةٍ وتقييم، وهذا ما شرعه الله تعالى في الصلوات الخمس يومياً، وفي فضل يوم الجمعة أسبوعياً، وفي مكرُمات «شهر رمضان المبارك» سنوياً، وغيرها، حيث يتزوّد الإنسان بزاد التقوى والصلاح، ويتقوى بها على المضي نحو الهدف الأسمى الذي رسمه الله له وارتضاه لنفسه، فلا ييأس مع أي فشل أو صعوبة تعترضه، أو خطأ يقع فيه.
ومع التوبة شرع الله الدعاء، الذي هو مخ العبادة، كما ورد في الحديث الشريف، لتتقوّى به روح الإنسانِ على حاجاته في العمل وعلى تحقيقها، وهو في دعائه يطلب العون من ربه وخالقه، والقادر عليه. يقول تعالى: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{ (سورة غافر 60)، ومن نعم الله تعالى أن جعل الدعاء غير مشروطٍ بجاهٍ أو سلطان، أو زمان أو مكان، بل يتقبله الله من عباده المتقين وغير المتقين إذا صدقوا فيه وأخلصوا }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ{ (سورة البقرة – 186)، وقد ورد في الحديث الشريف: «رُبّ أشعثَ أغبرَ لو أقسمَ على الله لأبرَّه» (رواه مسلم).
2- }وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا{، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، وبالتالي فكل عمل يقوم به الإنسان سيُحاسَب عليه في الآخرة. والله أنزل نعمه المادية المحسوسة ونعمه الروحية، ما ظهر منها وما بطن، ليتنعم بها الإنسان في حياته، ولتكون دافعاً له لعمارة الأرض، كما أمر تعالى بذلك. إذ ليس في الإسلام انقطاع تام للعبادة، ولا رهبانية.
والله تعالى يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده، فهو يقول في محكم التنزيل: }قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{ (الأعراف – 32).
ويروى أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أشعث سيّئ الهيئة،
– فقال رسول الله: أما لك مال؟
– قال: من كل المال قد آتاني الله عز وجل.
– فقال: «فإن الله عز وجل إذا أنعم على عبدٍ نعمة أحبّ أن تُرى عليه»، (أخرجه أحمد والنسائي).
وفي حديث آخر يقول: «إذا أعطى اللهُ أحدَكم خيراً فليبدأ بنفسه وأهل بيته»، (أخرجه مسلم وأحمد).
ولأهل العلم في قوله تعالى }وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ{، ملمحٌ دقيق، حيث يقولون إنّ نصيبك من الشيء هو ما ينالك منه ويبقى لك ومعك، ويصحبك إلى الآخرة، وبهذا، كأنّ نصيبك من الدنيا يصبّ في نصيبك من الآخرة. وهذا يعني: خذ من الدنيا القدَرَ الذي يعينك على أمر الآخرة. لذلك قالوا عن الدنيا: هي أهم من أن تُنسى، لأنها الوسيلة إلى الآخرة، وأتفهُ من أن تكونَ غاية، لأن بعدها غاية أخرى أبقى وأدوم. (موقع الروح).
ويرى بعض العلماء أنّ عبارة «لا تنسَ» موجهةٌ إلى البخيل، }وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى{ (سورة الليل – 8)، وإلى الذي أسرف في تزهّده. وقد ورد في الحديث الشريف: «لا تزولُ قدماً عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع – وذكر في آخرها – عن مالِه من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، (رواه الترمذي)، فإن كان إنفاقه في حلال وفي ما شرعه الله، كان ذلك زاداً له إلى الآخرة أيضاً.
3- وفي الربط بين هاتين العبارتين من الآية الكريمة، نجد منهجَ حياةٍ دقيقاً للغاية في إنفاق المال يدلّ على الوسطية والاعتدال. «هو يشدّ صاحب المال إلى التعلّق بالآخرة لتكون هدفاً وغاية، ولا يحرمُه أن يأخذَ بقسطٍ من المتاع في هذه الحياة، بل يحضّه على ذلك، ويكلّفه تكليفاً واضحاً، كي لا يتزهّد الزهد الذي يُهمل الحياة ويضعّفها». يقول تعالى: }يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ{ (سورة غافر الآية 39).
هذا هو المنهج القرآني الذي رسمه القرآن أيضاً في قوله تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{ (سورة الفرقان – 67). يقول أهل الحكمة: «إحرِث (إعمل) لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعملْ لآخرتك كأنك تموت غدا»، ويقول سيد قطب في كتابه «في ظلال القرآن»:
«لقد خلق الله طيبات الحياة، ليتمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض لتوقيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدّد، وتتحقّق علاقة الإنسان بهذه الأرض، ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يُشغلون بالمتاع من تكاليفها، والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم».
ويجب أن لا يغيب عن البال أبداً بأن الله تعالى خلق الإنسان ليكون خليفةً في الأرض، وسخّر له كل ما فيها ليعمرها، وأنزل الشرائع السماوية وخاتمها «القرآن الكريم»، ويضاف إلى ذلك ما جاء على لسان النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام من أحاديث نبوية شريفة (وهو الذي لا ينطق عن الهوى) ليكون كل ذلك منهجاً يسير عليه هذا الإنسان في حياته قبل موته، وفي دنياه قبل آخرته، فإذا التزم بذلك، كان له في عمله هذا الأجر والنعيم في الدنيا، كما في الآخرة.
يقول «مايكل هارت» في كتابه «المئة الأوائل»:
«إن اختياري محمداً (عليه الصلاة والسلام) ليكون الأول في قائمة أهم رجال التاريخ قد يُدهش القرّاء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله، الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي»، ويضيف:
«وفوق ذلك، فإن محمداً (صلى الله عليه وسلّم) يختلف عن المسيح عليه السلام، بأنه كان زعيماً دنيوياً، فضلاً عن أنه زعيم ديني. وفي الحقيقة إذا أخذنا بعين الاعتبار القوى الدافعة وراء الفتوحات الإسلامية، فإن محمداً (عليه الصلاة والسلام) يصبح أعظم قائدٍ سياسي على مدى الأجيال».
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم حيث يقول في حديثٍ جامع: «من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له» (رواه البيهقي وابن حبان).
فالسعادة الحقّة والغنى الحقيقي والراحة النفسية لمن كانت الآخرة همّه وهدفه وغايته.
4- }وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ{.
وقد ورد فعل «أحسن» مع مشتقاته ما يزيد على 170 مرة في «القرآن الكريم»، وكلها تصف المحسنين، وتؤكّد على الإحسان وأهميته في حياة الإنسان، نذكر منها فقط آيتين كريمتين:
– }لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ{ (سورة يونس 26)،
– }وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى{ (سورة الكهف 88).
ويقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء…” (رواه مسلم)، و«كتب» بمعنى أوجب الإحسان والإتقان. ويقول في حديث آخر «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (رواه الطبراني) (وفي رواية البيهقي «أن يُحسنه»).
هذا الحديث ولا شك موجه إلى كل الناس، صغيرِهم وكبيرِهم، خادمِهم ومخدومِهم، حاكمِهم ومحكومهم، وخاصة إلى من كان يعمل في الشأن العام، وعمله مع الناس، ومن يُتقن عمله يحبّه الناس، ويحبّه رب الناس، وهل أكرمُ على الإنسان من أن يحبّه ربُّه؟! كل ذلك لأن الإحسان أو الإتقان دعامة أساسية في رقي المجتمع وتطور الأمة ونجاح عمل مؤسساتها.
ولا عجب أن نرى العالم كلّه اليوم، يرفع شعار الجودة في الأداء، ويضع معايير الجودة في كل مضمار، ولا أرى في ذلك إلا توسعةً ومنهجةً لتطبيق حديث الرسول المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنٍ من الزمان، والذي آتاه الله تعالى جوامع الكلم، ومن أولى بهذا العمل والتمسك بهذا الشعار من المسلمين. وإذا كانت الأعمال الصغيرة هي التي تصنع التطور الكبير فإن الجودة في صغائر الأمور وتفاصيلها، هي التي تصنع الجودة في المشاريع الكبيرة وفي المجتمع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحقّرن ذنباً ولا تصغرنّه واجتنب الكبائر» وجزء واحد من العمل بلا إتقان قد يُفسد العمل بأكمله.
الوقفة الأخرى مع هذا المحور من الآية الكريمة، هي مع }وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ{. وهل بمقدور أحدٍ من البشر أن يصل إلى ذلك؟! وهو الذي قال في محكم التنزيل: }وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا{، فإذا كان الإنسان، كائناً من كان، عاجزاً عن العدّ والوصف والشكر على نعم الله تعالى عليه، فكيف له أن يكون محسناً كما أحسن الله إليه؟!
والجواب بسيط للغاية، على الإنسان أن يبذل جهده ليقوم بعمله بإخلاصٍ وصدقٍ، وعلى أحسن وجه وأتقن أداء، مستفيداً من كل ما آتاه الله من طاقة وقدرة، وعلمٍ وخبرة، إذ }لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا{ (سورة الطلاق – 7)، بذلك يكون قد شكر ربه، وأحسن في قوله وعلمه وعمله.
5- }وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{، والفساد يكون عموماً بخروج الإنسان عن منهج الله وصراطه المستقيم، خروجاً في القول والعمل، في الفكر والسلوك، وفي ارتكاب المعاصي والذنوب. يقول تعالى:
}ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ (الروم – 41)، ويقول أيضاً: }وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا{ (الأعراف 56 و85). وقد وردت كلمة «فسد» ومشتقاتها في القرآن 50 مرة. وفي هاتين الآيتين، كما في غيرهما، النهيُ عن الفساد في الأرض صريح وواضح، فهو بما كسبت أيدي الناس، ذلك أن الأضرار الناجمة تصيب المجتمع، وإن حققت مصلحة آنيّة لصاحبها، فأضرارها على المجتمع تبقى عديدة ومتشعبة، وتنعكس على صاحبها عاجلاً أم آجلاً بما لا تُحمد عقباه.
لا شك أن الفساد آفة مجتمعية قاتلة ومدمرة للاقتصاد والمجتمع في مياهه وهوائه، وفي بشره وحجره، وفي صحة أبنائه وتعليمهم وفي كل مصالحه. فهي لا تصيب الفقير دون الغني، بل تهدد كليهما، وإن كان تأثيرها على الفقير أسرع وأقوى. لأنها تحرم الفقير من نصيبه بتحويل الموارد المختلفة، وخفض الإيرادات الضريبية، والرسوم الجمركية، ومخالفة القوانين، وكل ذلك يتفاعل مثل كرة الثلج، حتى تتعطل الدورة الاقتصادية في البلد، وتنعدم فرص العمل، وتصاب المؤسسات بالشلل، وتتصاعد نسبة الفقر والجرائم ويغرق مركب الوطن بمن فيه. ومن أهم أسباب انتشار الفساد بين الناس هو أولاً ضعف الوازع الديني والأخلاقي، وقلة الرقابة الاجتماعية، يلي ذلك صعوبة الأوضاع الاقتصادية، وضعف التربية الأسرية وفي المؤسسات التعليمية، والجهل بمآلات وعواقب الأمور، وتقديم مصلحة الفرد والذات على مصلحة المجتمع والأمة، وإثارة النعرات الطائفية والسياسية والمناطقية وضعف السلطة.
وأنواع الفساد كثيرة نذكر منها:
أ- الفساد المالي: أكل أموال الناس بالباطل، والله تعالى يقول: }وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{ (سورة البقرة 188)، يقول علماء التفسير إن في هذه الآية نهي واضح عن أكل المال بالباطل كاليمين الكاذبة والغصب والسرقة والرشوة والربا، ونحو ذلك، وكذلك نهيٌ عن الإلقاء بالحجج الباطلة إلى الحكام في التخاصم أمامهم. وقد ورد هذا النهي عدة مرات أيضاً في سورتي «النساء» و«التوبة» وغيرها. ويدخل في ذلك السمسرات والسرقات من المال العام، والرشوات والغش، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة تنهى عن ذلك منها «من غشنا فليس منا»، ومنها «الراشي والمرتشي في النار»، ومنها «لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس»، وقول أهل العلم «ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام».
ب- فساد التربية في البيوت وفي المؤسسات التعليمية: فالتربية الأسرية هي اللبنة الأولى في بناء شخصية الإنسان، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام «يولد أحدكم على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يسلمانه». كما أن انحرافات الأسرة أو التخلي عن دورها أو التسلّط في تربيتها لأولادها، إنما ينعكس سلباً على تنشئة الولد. أما في المؤسسات التعليمية فالمسؤولية في التربية أيضاً تتواصل لتشمل التربية على القيم ومكارم الأخلاق، كالصدق والأمانة والإخلاص والإحسان والإتقان والتعاون والوفاء بالعهود وغير ذلك… والرسول عليه الصلاة والسلام يقول عن نفسه «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
ج- فساد التعليم ويسميه بعض العلماء «رأس الشر»، لأن التعليم هو بناء المستقبل، ولا يجوز أن يكون بناء المستقبل بأدوات الماضي. يقول الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه «علّموا أولادكم غير ما تعلمتم وأعدّوهم لزمان غير زمانكم». والتعليم التفاعلي والنشط والحديث هو الذي يساعد على تنمية روح الابتكار والتعاون، ويساهم في تطوّر الحضارة وزيادة نفع البشرية في الإبداعات العلمية. وكان دعاء النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام: «اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما»، وفيه تأكيد على أهمية الزيادة في العلم (أي الأبحاث العلمية)، وأهمية الابتكار النافع للبشرية وللمجتمعات.
د- فساد الإدارة: السلطة السياسية والإدارات الحكومية هي واجهة الدولة، يجب أن تكون محط ثقة المواطنين والخارج. وقد حذّر الرسول عليه الصلاة والسلام من التفريط في اختيار الشخص المناسب للعمل المناسب، حيث يقول: «إذا وسّد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة» (رواه البخاري)، وفي حديث آخر «من تولى من أمراء المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين» (رواه الطبراني). ويدخل في ذلك سوء استخدام المنصب أو استعمال السلطة لمنافع شخصية، وغيرها.
هـ- فساد العدل: العدل أساس الملك. يقول تعالى: }وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{ (المائدة 44)، وقد ورد الأمر بالحكم بما أنزل الله والتحذير من غير ذلك في سورة المائدة وحدها ثماني مرات لأهمية ذلك. والعدل يوفر الأمان للناس جميعاً على حدّ سواء، ويحمي الحقوق والأعراض والأملاك، ويشيع الطمأنينة في المجتمع، ويشجع على الاستثمار لتنمية الاقتصاد وينفي الظلم والاستبداد.
و- فساد البيئة: يقول تعالى: }وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا{ (الأعراف 56 و85)، والفساد في الأرض بالمعنى المباشر هو الفساد البيئي: فساد الماء والهواء والتربة، والإضرار بالمنافع العامة من طرقات وثروات وموارد طبيعية، ويدخل في ذلك أيضاً رمي النفايات كيفما كان وعدم معالجتها، وقطع الأشجار والغابات. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي من يبعثه من أصحابه في مهمة معينة بقوله «… ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها». وفي حديث آخر إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو يتوضأ، ويسرف في إستعمال الماء يقول له: «إقتصد يا سعد» فيقول سعد: أفي الوضوء سرف يا رسول الله (والوضوء عبادة) فيقول عليه السلام – معلماً الأجيال كلها في الإقتصاد في الثروات الطبيعية – «ولو كنت على نهرٍ جارٍ». والحديث الجامع الشامل «لا ضرر ولا ضرار» أي أن كل ما يضر المجتمع والبيئة فهو حرام.
ز- فساد القلب: ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجسد مضغة إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كله، وإذا فسدتْ فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب». والقلب الفاسد لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، لأنه ابتعد عن الحق والصواب، وارتكب الفواحش والمعاصي والخطايا والذنوب. يقول تعالى }فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ (الصف – 5)، ويقول أيضاً: }كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ { (المطففين – 14). وفساد السريرة من فساد القلب، وهي بأن يكتم الإنسان ويُضمرُ غيرَ ما يُظهر وأولئك هم المنافقون. والله تعالى يقول:
}وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ{ (البقرة – 235)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر رضي الله عنه: «أوصيك بتقوى الله في سرّ أمرك وعلانيته» (رواه الإمام أحمد).
6- وفي الربط بين هذه المحاور جميعاً يكتمل الهدف من القصة. فالله تعالى هو
}الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ{ (الذاريات – 58)، فقد أعطى قارون ثروة كبيرة جداً، ووضع له وللناس عموماً، نظاماً، متكاملاً ودقيقاً، ملخصه المحاور الأربعة التي في الآية الكريمة، ولكنه فرح بكنوزه، ونسي المنعم والرازق، وما يجب عليه من شكر له، وقال
}إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي{. كما أنه بغى على قومه بظلمه لهم واستكباره عليهم،
فـ }خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ{ (القصص 79 – 80)، وكانت نتيجة ذلك }فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ{ (القصص 81).
يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال في حديث يرويه الإمام أحمد: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج». ثم تلا الآية الكريمة:
}فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ{ (الأنعام-44).
أختم بحديث آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي فيه أم المؤمنين، عائشة رضي الله عنها: «يا عائشة، أحسني جوارَ نِعمِ الله، فإنها ما نَفَرتْ عن أهل بيت، فكادت ترجع إليهم» (رواه البيهقي). والإحسان في جوار نِعمِ الله يكون، بالشكر عليها، بالقلب وباللسان، وبالعمل فيها بما أمر به الله تعالى وشرع. عندها تكون الزيادة في النعمة، كما وعد عباده في محكم التنزيل:
}وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ{ (إبراهيم – 7).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.