طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أي سحر فيكِ يا طرابلس… ماذا فعلتِ يا طرابلس؟»

ميدان الثورة في طرابلس

يجتمع «الإرهابيون» كل يوم في طرابلس، يرصّون الصفوف بالآلاف منذ 18 يوماً مدجّجين بالأسلحة والعتاد، وأدمغتهم مغسولة بالأفكار التدميرية والتكفيرية، يحتشدون في «ساحة النور» فيَشلّون المدينة باعتصامهم، يحملون مكبّرات الصوت ويعبّرون أمام اللبنانيين والعالم أجمع عن فكرهم الذي اعتدنا على نبذه وحتى كرهه ومحاربته… يجتمع «الإرهابيون» في طرابلس كل يوم ليكشفوا للناظرين عن وجه شيطانهم الذي غَذّاه الإعلام والأفكار النمطية والأحكام المسبقة.
من كل منطقة وشارع
يأتي صيّاد السمك من الميناء، وبائع الخضار من «سوق التبّانة»، ويأتي معلّم «المغربية» و«الفول» و«حلاوة الشميسة» من «السوق العتيق»، والحرفي من «سوق النحّاسين»، ويأتي بائع الصابون البلدي من «سوق البازركان»، وينضمّ إليهم الحلونجي من «ساحة التلّ»، والصائغ والتاجر من «شارع عزمي»، وينزل إبن «جبل محسن» إلى ساحة الاعتصام ماراً بـ «سوق القمح» و«الحارة البرّانية»، ويمرّ آخرون بجانب «القلعة» أو فوق «نهر أبو علي»، ويتوافد جيرانهم من «شارع الراهبات» و«شارع الكنايس»… وعندما يكتمل العدد، يشتعل الإرهاب أمام عدسات الكاميرات وتليفونات المتحمّسين.
تلذذنا بجلدكِ ورجمكِ وخنقكِ لسنوات…
يا طرابلس… ماذا فعلتِ يا طرابلس؟
تلذّذنا لسنوات بجَلدكِ ورجمكِ وقتلكِ ودفنكِ، إستثمرنا كثيراً من طاقتنا ومواردنا لخنقكِ وإفقاركِ وتجويعكِ، وتباهت كرافاتاتنا بوحشيتكِ وتخلّفكِ…
يا طرابلس… كيف تغلّبتِ على جلّاديكِ؟
كيف انتفضتِ على واقعكِ؟!
كيف قمتِ من الموت؟
كيف انبعثتِ من الأعماق؟!…
وبأيّ قدرة اعتليتِ المنابر والشاشات والنظرات؟
وأي سحر فيكِ جعلكِ نابضة في قلوب اللبنانيين في الجنوب والشمال والبقاع وبيروت؟!
ما سر الحياة فيكِ
طرابلس،
أخبرينا ما سرّ الحياة فيكِ، بربّكِ أخبرينا كيف تُبعَث مدينة وكيف يُبعَث شعب من الموت قبل يوم القيامة؟
يشهد لبنان منذ 17 تشرين الأول تظاهرات واحتجاجات على كامل أراضيه، فلم تكد أي منطقة تنأى بنفسها عن الغضب الشعبي، ولكن كل المناطق في مَيل وطرابلس في ميل آخر، ليس لخصوصيتها أو فرادتها، وإنما فقط بسبب قدرة شعبها الذي ثار مع اللبنانيين على واقعه،
وأضاف إلى ثورته انتقاماً…
إنتقاماً من كل تلك الأيام التي ظلمته بعتمة لياليها وفقر نهاراتها،
إنتقاماً من فصول الطبيعة التي لم ترحمها من مطر أو شمس،
إنتقاماً من الأعياد التي مرّت كالأحزان،
وانتقاماً من كل مسبّب لهذه الحال التي فُرضت على المدينة بسياسة التجويع والتخوين والتخويف، فانصاعت عاصمة الشمال بإرادة كرامتها وليس تحت نير ذلّها.
الأغاني الثورية في كل المناطق ولكن في طرابلس نكهتها مختلفة
نسمع الأغاني الثورية في كل المناطق، وعندما نسمعها في طرابلس نجد نكهتها مختلفة.
نرى نفس العلم اللبناني والشعارات في كل المناطق، وعندما نراها في طرابلس تكتسب عمقاً آخر.
يحلّ نفس الظلام على كلّ المناطق، ولكن عندما يغمر سماء طرابلس، تُنيره الأصوات الصادحة والأضواء المتمايلة بتزامن مع وجع أهل المدينة.
أضاعت هويات أهلها ومذاهبهم ووجدتهم شعباً واحداً
أضاعت طرابلس «السلفي» و«العلوي» و«الماروني» و«السنّي» و«الشيعي» و«الأرثوذكسي» و«العلماني»، أضاعتهم في الساحات يتّكئون على أكتاف بعضهم البعض ويمسكون يداً بيد ثوب الثورة التي تتراقص بينهم. أضاعت طرابلس هويات أهلها ومذاهبهم، ووجدتهم شعباً واحداً صارخاً في برية الفساد.
أضاعت طرابلس أهلها لتجدهم مجتمعين وموحّدين في «ساحة النور»… وجدتهم هناك يثبتون للبنانيين أنّ تلك الساحة التي تتوسّطها كلمة «الله» هي للجميع، في بلد كلّ فريق يريد الله على مقاس طائفيته ومشاريعه.
تركت قلاع مدن لبنانية وعربية للمهرجانات وهي «قلعة للثورة»
تركت طرابلس قلاع «بعلبك» و«جبيل» و«قرطاج» و«تدمر» و«بترا» ومدناً لبنانية وعربية للمهرجانات، ونصّبت نفسها «قلعة للثورة» وعاصمة للحياة والسلام.
وأثبتت أنها مدينة الإرهاب، بعدما أرهبت مدن الساحل والجبل والداخل،
وبعدما أرهبت صوَر الثوّار فيها عواصم العالم ووسائل إعلامه بتنظيمهم وسلميتهم، وبجمال اللوحات التي يرسمونها برقصات أصواتهم وأيديهم.
نقلنا عقولنا وقلوبنا إليك ونقلتِ كرامتك وعنفوانكِ للكل
«يمكن يا طرابلس نحن ما منقدر ننقل نفوسنا إليكِ،
ولكن تأكّدي أننا نقلنا عقولنا وقلوبنا…».
واعرفي أنكِ نقلتِ أخلاقكِ وكرامتكِ وعنفوانكِ إلى منزل كل لبناني ولبنانية.

«الجمهورية»
(العناوين من وضع «التمدن»)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.