طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

انتفاضة يحق لأهلها أن يعتبروها ثورة

بعدما بلغت الإنتفاضة الشبابية – الشعبية مرحلة الثبات ، تزداد اتساعا الـمساحة بينها والـمؤمنين بـها وبـجـدواها، وبين الذين يراهنون على تعبها وسقوطها، ليس فقط لأنّ مساحة الإدراك الـمشترك بين الـجهتين مستحيلة، بل لأن الإنكشاف الـمتبادل من قبل الطرفين أصبح أكثر وضوحاً.
في الأيام الأولى للإندفاعة الـمفاجئة فـي الشارع، اعتقد أغلب المؤازرين لها أنها صرخة دفاعية بوجه إمعان الـمنظومة الحاكمة، وراهن الذين يمارسون التسلّط في اتخاذ القرارات داخل السلطة على تبريد ثـم تدبير من يتجرأ على خوض الـمواجهة، دائماً بالإستناد الى ما سبق من تجارب، والى فائض القوّة وصلاحية تهم القرن الـماضي بالتآمر والعمالة وأخواتهما.
الآن انتقل النقاش على الذي يجري فـي الشارع ويجري بمواجهة من؟. إنتقل من دائرة متابعة الأحداث وتوصيفها الى عمق البعد البنيوي لهذا الحراك بغية رصد فعله، وتأثيره في مرحلة جديدة أصبح لبنان وبعض دول المنطقة على عتبتها.
لقد استمر عصيان النظام الطائفي اللبناني ومشتقاته فـي الدولة والمجتمع طيلة قرنٍ دون أن تقوى عليه أية دعوةٍ، ولا نالت منه تجربة خاضتها سائر التيارات الفكرية والسياسية، لبنانية كانت أو قومية، أممية أو إسلامية، بل أنّ هذا النظام إنطوى على مغريات حوّل بموجب مفاعيلها كل من ناضل، أو ادعى النضال ضده الى شريكٍ فيه. سقط الجميع أمام عتبة مفاتن هذا النظام ومغرياته، وأمام مـخاطر نهايته في آن واحد.
الإنتفاضة، ومن حق أبنائها أن يعتبروها ثورة، هي بالمعنى التاريخي والإجتماعي والوطني والبنيوي نتاج تلازم أسباب ترنّح النظام وموعد سقوطه، وإن لم يدرك ذلك بعض قيادات هذه الإنتفاضة. فالرهان على مرحلةٍ إنتقالية تعيد للنظام حيويته وقوّته، أصبح رهاناً لا رصيد له في واقع الصراع المركّب داخلياً وخارجياً. بهذا الـمعنى، فإن هذه الإنتفاضة هي رصيد خريطة طريقٍ كي لا تسقط الدولة وينتهي الكيان في مرحلة غيبوبة النظام، الذي لم يبقَ منه وله سوى حنين المنظومة الحاكمة والتي لا ترغب أن تودع عزيزاً عليها.
إن أول ما يجب أن تتحصّن به خريطة الطريق هو عدم انزلاق الإنتفاضة الى حرق المراحل، والتمسّك بالمسار الذي لا يفاجئ جمهورها، من خلال التزامها بالوسائل السلمية الديموقراطية والدستورية ولا سيّما بعد أن أدّى استعجال الطريق في كلِّ مرة وبأكثر من مكان الى ما قبل النظام الطائفي وبالتأكيد الى ما هو أسوأ منه.
إن البعد البنيوي الآخر لهذه الإنتفاضة هو أنها تأتي في لحظة إنهاك وتشظي وتهاوي تيّاراتٍ مـختلفة في الـمنطقة ولبنان، وهي تيّارات مارست الإستخفاف بالوطنيات العربية وبقدرتـها وبدورها دون سواها على إنجاز مهمّة الإستقلال الوطني ومهمّة التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وصولاً الى الدولة الحديثة التي يكون فيها دور المواطن الفرد هو الأساس في تحديد وتقرير الـمصير.
السياق الذي تنتسب من خلاله هذه الإنتفاضة الشعبية اللبنانية الى أخواتـها في أكثر من بلدٍ عربي، حيث إن ما جرى في تونس والسودان، وما يجري في الجزائر والعراق، وما سوف يـجري في البلدان العربية الأخرى، هو تأكيد إعادة الإعتبار للوطنيات العربية في هذه المجتمعات، وأن هذه الوطنيات هي وحدها التي تستطيع بقوة التشارك الإنساني والمصيري داخل مجتمعاتـها أن تحمي الحياة الحرّة الكريمة، وأن تلحظ باقتناع وحبّ موجبات التعدّد الطائفي والإثني، وحدودهما في الدولة الواحدة والـمجتمع الـمتفاعل.
وحدها وللإعتبار نفسه، مضافاً اليه الـحرص على مستقبل الدولة الوطنية الدستورية تصبح قادرةً على حماية التطوّر الطبيعي لـمجتمعاتنا في مواجهة تخلّف الأنظمة الشمولية واستبدادية القيادات وتسلّطها، و على التصدّي لقهر الأفراد والـمجتمعات.
إنّ تحليل أو تحريم الإنتفاضات العربية، ومنها إنتفاضة لبنان على قاعدة مشهدية الربيع العربي لا تستوي مع عمق وإتساع البنيوية الإجتماعية والوطنية لـما يجري، ولا تأخذ بعد عقدٍ من الزمن والـمحن بإتعاظ نـخب هذه الإنتفاضات من تجربة هذا الربيع الذي سقط كإنجاز ووسائل وأدوات ولـم يَنتَهِ كفكرة.
الرهان على فوز الإنتفاضة اللبنانية بالـموقع الـمقرّر في سياق الإنتقال اللبنانـي هو رهان على صمودها ونضوجها، واتّساع قاعدتـها ، وحيّز عبورها للمذاهب والطوائف، وصولاً الى دورٍ خلاّق في لـحظة تلاشي النظام، ومن أجل تأدية مهمة حماية الدولة والـمـجتمع في اللّحظة الـحرجة الصعبة.
وقد يكون من الـمبكر مطالبة هذه الإنتفاضة بأكثر من دور الحركة الـمطلبية التي ترسم وتفرض في نضالـها ما يـجب أن يفعله الـمعترضون عليها، كي لا نقول أعداءها. غير أنّ هذا لا يعفيها بالـمطلق من السقوف السياسية لفهم مأزق الـمتصدين لها، وهم يشكلون منظومة متكاملة فرضت عليها أن تعلن وتتمسّك بشعار “كلّن يعني كلّن”.
الشعار الذي تَقَصَّد في ما يتقصَّد طرفين تصدرا مواجهة الثورة كما يقول أبناؤها: “حزب الله” بعدما أخذ الـمقاومة لتصبح نظاماً في لبنان، كما سبق له أن تموضع في وجه الحركة الشعبية في سوريا والعراق.
“التيّار الوطني الحر” الذي ذهب في الإتجاه نفسه، بعدما غادر مشروع الإصلاح والتغيير، بغية التفرّغ لحماية موقعه في السلطة، وصياغة تحالفاته كيفما كان، لتدعيم هذه الحماية .
كان على الطرفين أن يدركا أن هذا الشعار هو استهدافٌ للسياسات وليس للرموز والقيادات. وقد طُرِح بلغة الإنتفاضات العربية التي ترشّح تجاربها ومرحلتها لنشوء الأحزاب الوطنية الـمعاصرة ومحاولة كسر هذه الإنتفاضات هو تمسّك بحاضر المرحلة السوداء وإهانة لمستقبل مختلف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.