طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

حتى نعيد مشعل الصحافة الورقية إلى سابق دورها… «الإعلام العربي: الواقع والمستقبل»

تحت هذا العنوان انطلقت «دورة منتدى الإعلام العربي» في دبي، بتنظيم من «نادي الصحافة» فيها، للعمل على النهوض بالمحتوى العربي عبر الوسائل المختلفة لهذا الإعلام مع انكباب خاص على تراجع الإعلام المكتوب، والذي انعكس خاصة في خسارة العديد من الصحف في لبنان، ومع تركيز مساوٍ على الأزمة المتفاقمة للصحافة المصرية القومية عبر مشاريع إغلاق ودمج صحف فيها، ومع محاولة لتطوير المحتوى الورقي ومواكبة التحول الرقمي.

الصحافة اللبنانية بالأمس

ولما كانت الصحافة الورقية في لبنان تعاني جداً، وخاصة على الصعيد المالي،

رأينا ان نسلط الضوء على هذه الأزمة ومفاعيلها الخطيرة، بعد ان كانت صحافة لبنان الشعلة المميزة في العالم العربي،

مما حدا بنقيب الصحافة اللبنانية المرحوم رياض طه القول في اليوبيل الفضي لجريدة «الإنشاء» الطرابلسية في مطلع السبعينات من القرن الماضي:

«إن الحاكم العربي عندما يستيقظ صباحاً يطلب إحضار صحف لبنان ليعرف ماذا يجري عنده».

واليوم

واليوم يخشى اللبنانيون أن يطلعوا على أخبار بلدهم وأسراره عبر صحافة الخليج وسواها، بعد إدراك الخطر المحيط بصحافة وطنهم المكتوبة وبما يتعدى ذلك إلى الخوف على الحرية ذاتها لأن تاريخ لبنان يشهد بأن الحرية والصحافة فيه توأمان.

«الوحدة في التنوع»

ذلك ان الصيغة اللبنانية القائمة على «الوحدة في التنوع»، كما كان يؤكد غسان تويني، والتي تستند إلى الحقوق والحريات السياسية والتي تولي الكرامة الإنسانية والعقلانية والواقعية الأهمية القصوى، والتي تستند إلى عيش واحد لا شرعية لأي سلطة تناقضه، تجد في الحق بحرية الرأي والمعتقد والتعبير، والحق بالمعرفة والاستعلام الموضوعي عن الحقيقة مبرر وجودها وشرط بقائها،

وعليه تكون الصحافة خاصَةً والإعلام عامةً ضمانتين من ضمانات بقاء وتطور تلك الصّيغة الفريدة.

وإن لبنان وقد اعتمد الديمقراطية البرلمانية نظاماً في السياسة والاقتصاد، يجد أنه من أسس نظامه الليبرالية السياسية،

وإنه لا ليبرالية اقتصادية من دون ليبرالية سياسية، خوف الوقوع في التسلطية،

وأنه لا ليبرالية من دون صحافة حرة ومتنوعة تُعبر عن الحياة السياسية بمختلف آرائها وتُبيّن أوجه نشاطها،

وأنه في ظل بنية حزبية ونقابية هشة، لا بد للصحافة، ولسائر وسائل الإعلام من ان تعبر عن الحياة العامة في البلاد وتعمل على تكوين رأي عام مستنير يعتمد الحوار ويقبل بحق الآخر أن يكون مغايراً.

«سلطة رابعة»

وإن وسائل الإعلام وفي طليعتها الصحافة الحرة، وقد اكتسبت أبعاد «سلطة رابعة» من دون ان تكون مكرسة دستورياً، تبقى واعية لمقولة «تجاوز حد السلطة» وتشكل بالأحرى السلطة – الضد (Contre pouvoir)، وتراقب باسم الرأي العام واتجاهاته المتنوعة سائر السلطات، دون أن تحل محلها أو تقع في محظور إساءة استعمال حد السلطة، بل أن تستفيد من تجربة الصحافة اللبنانية الرائدة ومن مكتسباتها التي حصلت عليها عبر دم شهدائها وعرق أبنائها لتكريس المبادىء والأسس التي جعلتها أداة في يد الحرية، والتي لا بد أن تستمر حتى تبقى الصيغة اللبنانية في أوج تألقها، وإلا حصل العكس، وغارت الحرية واختفت الصيغة، وتضاءل وزن لبنان.

رفع شأن اللغة العربية وتطورها

لقد كان حضور لبنان القوي في العالم العربي مرتبطاً بقوة صحافته وإشعاعها، من حيث المستوى التقني والفني، ومن حيث الصناعة الإعلامية، وبما رفعت الصحافة من شأن اللغة العربية وساهمت في تطورها، حتى أصبحت طرقها مستعملة في أربع جنبات الأرض العربية وما يتعّداها.

لا بد من إنتهاج سياسة إقتحامية… ولا تراجع أو نكوص

ومن ناحية أخرى فإن العالم العربي إعتاد على تنوع وسائل الإعلام اللبنانية، وخاصة المقروءة منها، فلا بد للبنانيين من الاستمرار في انتهاج سياسة اقتحامية في هذا الميدان، لا التراجع والنكوص عن ذلك ولا سيما في أعقاب «الربيع العربي» الذي جعل العرب بحاجة إلى دفق إعلامي حر ومتنوع موضوعي يساهم في تحديث العالم العربي ونقله نقلة نوعية بعد التحولات العميقة التي هزت أركانه وقواعدها.

المهمة التي نتصورها للصحافة اللبنانية

إن المهمة التي نتصورها للصحافة اللبنانية على كل الأصعدة الوطنية والعربية والإقليمية بل والدولية، هي وليدة اقتناع بقدرة اللبنانيين على العمل والانفتاح والنشاط والانتاج والعطاء والابداع،

ومما يدل على ذلك مساهمتهم المعروفة في «نهضة الصحافة العربية»، في مصر خاصة والمهاجر عامة، إلاّ ان ذلك يستدعي اليوم توفير الشروط والتسهيلات والمساعدات والدعم بصورة مدروسة وعاجلة ومن قبل متخصصين عارفين للابقاء على صحف لبنان واستعادة ما احتجب منها.

في إحتجاب صحيفة يخبو شعاع

لأنه عندما تحتجب صحيفة في لبنان يخبو شعاع من أشعة لبنان، وينوس نوره ويفقد دوره، بما هو فسحة للحرية وبلد ديمقراطي، مع اعتبار الظروف الواقعية والنسبية، وخاصة وأن الصحافة اللبنانية أتاحت لإرادة شعبه أن تتجلى بالتعلق به وبالرغبة في التمكين للحرية والديمقراطية من أن تترسخا ولا تزولا تحت أي ذريعة أو صعوبة، وإلا إذا غابت صحافة لبنان، غاب معها معنى وجوده.

لا تتركوا مجالاً لسقوط معنى لبنان بسقوط صحافته

ولقد بقيت صحافة لبنان صامدة في وقت سلف، عندما انهارت مؤسسات الدولة تحت وطأة الأحداث العاصفة الأليمة،

وفي هذا يكمن المعنى الكبير للبنان كوطن للحريات والحقوق الأساسية، كما يريده أبناؤه على اختلاف اتجاهاتهم وتنوع مشاربهم، فلا تتركوا مجالاً لسقوط معنى لبنان بسقوط صحافته وانهيارها.

أهمية وأمل

من هنا كانت الأهمية المعقودة:

على مثل «دورة دبي لمنتدى الإعلام العربي»، التي انعقدت مؤخراً،

وعلى أمل ان تعود بيروت ويعود لبنان إلى سابق عهدهما حاملين في الطليعة مشعل الإعلام العربي وخاصة مشعل الصحافة الورقية.

(نائب رئيس «المجلس الدستوري»)

Loading...