طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«بلا عنوان»

الراحل فؤاد عبيد

قبل عدة أشهر اتصلت بالمثقف والأنيق والخلوق فؤاد عبيد، الذي رحل عن الدنيا قبل عدة أيام، بعد صراع مرير مع المرض، ولم أكن وقتها أعرف انه يعاني من مرض مزمن وخبيث.
اتصلت به لسؤاله عن كتاب صدر قبل عدة سنوات، عن مؤسسة المحفوظات الوطنية، التي كان يتولى إدارتها العامة، ومضمون الكتاب تاريخ الصحافة اللبنانية، ويتضمن أسماء الصحف اللبنانية من بداية عهد الصحافة في لبنان، مع صور للصفحات الأولى لكل هذه الصحف.
كان الأستاذ فؤاد، كما كانت عادته دائماً، متحمساً وخدوماً ومرحباً ومتعاوناً ومندفعاً لتلبية الطلب ومساعدتي للحصول على ما أريد، علماً انه كان قد ترك مؤسسة المحفوظات قبل عدة سنوات، لكنه تذكر الكتاب الذي كان قد صدر خلال توليه الإدارة، علماً ان عهده في المؤسسة تميّز بإصدار كتب عديدة تهتم بالآثار الثقافية اللبنانية، كما أقام معارض عديدة في مناطق لبنانية مختلفة، لعرض المحفوظات، كي يتعرف المواطنون على التراث الثقافي والانساني والاجتماعي لوطنهم، ما قد يوقظ لدى الناس الشعور بأهمية بلدهم وأهمية الافتخار بإرثهم والدفاع عنه.
وقد كان الجناح الذي شغلته مؤسسة المحفوظات في أحد معارض الكتاب في طرابلس عملاً ناجحاً جداً، إذ عُرضت فيه لوحات كبيرة طُبعت عليها الصفحات الأولى من الصحف اللبنانية.
وفؤاد عبيد هو نفسه من قال يوماً «إن الأوطان التي لا تهتم بالذاكرة، تصبح شيئاً فشيئاً، أوطاناً في الذاكرة. والشعوب التي ترمي تراثها وذاكرتها على قارعة الطريق، لا بدّ أن تجد مستقبلها على أرصفة دول أخرى. والتاريخ يعيد نفسه عند الشعوب التي لا تقرأ التاريخ، ولا تحفظه، ولا تتعظ من تجاربه. فالشعب الذي لا يحترم تجاربه، ولا يعزّز المضيء منها، ولا يتلافى تكرار المأسوي فيها، هو بأحسن حال تجمّع بشري يفرز أرضاً ولا يجمعها، يهدم أوطاناً ولا يبنيها، يبدد ثورات وثروات لم يتعب ولم يضحِّ من أجلها».
كان صوت الأستاذ فؤاد خلال المحادثة الهاتفية ضعيفا ً إلى حد ما، وكان فيه شيء من البحّة، ورغم هذا التغيّر في نبرة الصوت كان «الوجه الحامي» لفؤاد عبيد يغلب على الوهن الذي يصيبه، وكدت أرى عبر الهاتف ذلك الوجه المحبب البشوش والساخر ايضاً بأسى مما يراه اليوم في وطنه، ومن الذين يتولون المسؤوليات في هذا البلد الجريح.
المهم ان اهتمامه وإشارته إلى من عليّ ان أحادث في المؤسسة «باسمه» كي أحصل على مرادي أثمر وتمّ الأمر بسرعة البرق.
وخلال المحادثة الهاتفية، أثنيت على الفقرة الاذاعية الصباحية الاسبوعية التي كان يقدمها سابقاً عبر إذاعة «صوت لبنان»، وكانت مدتها خمس دقائق فقط، وقد أطلق عليها اسم «بلا عنوان».
أهم ما في هذه الفقرة أنها أبرزت عدة ميزات عند فؤاد عبيد، أولاها صوته الاذاعي الدافىء والمريح، ثانيتها أسلوبه والطريقة الواضحة في لفظ مخارج الحروف، ثالثتها لغته العربية الممتازة وعدم ارتكابه أي هفوة في التحريك أو في الصياغة أو في مبنى جمله القصيرة والواضحة، أما الميزة الرابعة وهي الأهم فهي مضمون تلك الفقرة القصيرة والتي تحتاج إلى تكثيف واختزال وايصال الفكرة بسرعة، فهذا المضمون كان دائماً هادفاً وناقداً لما آلت اليه البلاد، وذلك بطريقة فيها شيء من الحكمة، من جهة، وشيء من السخرية اللطيفة والمحببة، من جهة ثانية.
فؤاد عبيد الراحل بصمت، كان، كما إخوانه: النائب جان والإعلامي ميلان ورئيس البلدية ايلي، موسوعة ثقافية وفكرية وأخلاقية وصاحب شخصية تمتزج فيها المعرفة والوقار بخفة الظل.
فؤاد عبيد يرحل بهدوء، كما أمضى كل حياته هادئاً، لكن لهذا الرحيل صدىً سوف يُدركه لاحقاً كل محبيه وعارفيه، وكل من نال يوماً شيئاً من لطفه ومحبته.

فواز سنكري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.